تاريخ النشر: 15 يناير 2026  ( جريدة البورصة)

في إطار السعي للخروج من أزمة الدين والأزمة الاقتصادية ككل، تقف عملية إصلاح النظام الضريبي كأحد أبرز التحديات التي تواجه الحالة الأقتصادية المصرية، وذلك على الرغم من المحاولات المستمرة لتحسين النظام الضريبي، إلا أن تلك المحاولات لم تصل إلى توسيع القاعدة الضريبية إلى المأمول، بل وأثقلت ذات الممولين بالكثير من الأعباء الضريبية، وهو ما يفرض علينا ضرورة العمل على إصلاح النظام الضريبي، لتحقيق هدفان رئيسيان الأول هو زيادة الحصيلة الضريبية من خلال زيادة أعداد الممولين، والثاني هو ضرورة شعور الممول بجدوى وأهمية سداده للضرائب وتشجيع التسجيل الطوعي. 

تشكل الإيرادات الضريبية نسبة 87.6% من إجمالي الإيرادات الحكومية، حيث بلغت إجمالي الإيرادات الضريبية للسنة المالية المنتهية في 2025 حوالي 2.2 تريليون جنيه تقريباً، وفي الأشهر الثمانية الأولي من السنة المالية 2025 بلغت 1.234 تريليون جنيه، تُشكل ضريبة القيمة المضافة 45% تقريباً منها، وضريبة الدخل على الشركات والأعمال 27% تقريباً، بينما تمثل الرسوم الجمركية وضريبة الدخل الشخصي والرواتب والرسوم الأخرى باقي الحصيلة الضريبية. 

تُشير هذه البيانات التقريبية إلى عدة تحديات هيكلية في النظام الضريبي، على رأسها زيادة التسرب الضريبي من خلال الأقتصاد غير الرسمي، مما يقلل من الإيرادات ويضغط على الممولين المسجلين، فضلاً عن انخفاض نسبة الضرائب إلى الناتج المحلي الإجمالي والتي تقل عن 14% حوالي 12% تقريباً، على الرغم من تصريح وزارة المالية لسعيها لرفع النسبة إلى 15.2% بحلول العام المالي 2029-2030، وهي نسبة أقل من المتوسط الأفريقي البالغ 16%، وأقل من المتوسط الأقليمي حيث تبلغ النسبة في المغرب وتونس 20% تقريباً، كما أن استحواذ ضريبة القيمة المضافة على ما يقارب نصف الإيرادات الضريبية يشير إلى عدم العدالة في التوزيع، ما يعني زيادة إمتثال أصحاب الدخول المنخفضة والفقراء بسداد نسبة أكبر من دخلهم، مقارنة بأصحاب الدخول المرتفعة والأغنياء، وأخيراً ارتفاع التكلفة الإدارية لسداد الضرائب بما فيها من الإجراءات المعقدة – رغم التحول الرقمي –. 

ولمواجهة تلك التحديات يجب أن يقوم النظام الضريبي على فلسفة تستهدف تبسيط الإجراءات، ووضوح النظام الضريبي، وخفض الأعباء الضريبية لتشجيع الأستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة الإيرادات الضريبية من خلال توسيع القاعدة الضريبية ودمج الاقتصاد غير الرسمي من خلال الحوافز الضريبية، وتحسين الشفافية والعدالة من خلال التوازن الضريبي بين مختلف الدخول. 

ولكن تحقيق هذه المستهدفات يصطدم بأمران الأول هو تعزيز ثقة المواطن في منظومة الضرائب، وشعوره بجدوى الخضوع لها والتسجيل الطوعي، وأهمية التزامه بالسداد، وهو ما يتطلب مشاركته في وضع سياسات الإنفاق العام، وهو الأمر الذي تحاول وحدة الشفافية والمشاركة المجتمعية بوزارة المالية العمل عليه، إلا أنها بحاجة لمزيد من الأنتشار والتوسع والوصول لأكبر عدد من المواطنين، والأمر الثاني هو ضرورة التنازل عن جزء من المستهدفات الضريبية بهدف توسيع القاعدة الضريبية، التي تتطلب منح إعفاءات وحوافز لتسجيل أكبر عدد من المواطنين، فإذا مُنح المواطن/ الممول حافز خصم على إجمالي فواتير خدماته مثل (الحرفيين، إصلاح السيارات، أعمال المحاماه، الخدمات الطبية.الخ) سيقوم بالبحث على مقدم خدمة لديه سجل ضريبي، وفي المقابل سيبحث مقدمي الخدمات على اَليات التسجيل وهو ما يجب أن يقدم لديهم بشكل بسيط وبإعفاءات لتحفيزهم على التسجيل. 

إن تصميم نظام ضريبي ناجع وعادل ليس بالأمر المعقد أو المستحيل، إذا ما نظرنا إلى تجاربنا السابقة (قانون 91 لسنة 2005)، وإلى التجارب الدولية المقاربة لظروفنا الأقتصادية، فقد أثبتت العديد من الدول النامية ان زيادة الحصيلة الضريبية بنسب 2–6 نقاط مئوية ممكنة تماماً دون الإضرار بالنمو الاقتصادي، بل وغالباً ما تدعم النمو من خلال تحسين الخدمات العامة مثل رواندا واندونيسيا التي أنتجا زيادات ضريبية تصل إلى 3 نقاط مئوية أو أكثر بعد السنة السادسة. 

فقد أستطاعت الكثير من الدول خلال العشر سنوات الماضية من تعزيز الحصيلة الضريبية لديهم من خلال تفعيل الرقمنة والتكنولوجيا، وتبسيط الإجراءات، وتحسين الأمتثال الطوعي، وتعزيز الضرائب غير المباشرة مع حماية الفئات الضعيفة، وهو الأمر الذي يمكن تحقيقه في مصر بنسبة أكبر مقارنة بحجم الناتج المحلي ونسبة السكان، خاصة في ظل استمرار العمل على سياسات الشمول المالي والتحول الرقمي في المدفوعات خاصة الحكومية، ومن خلال سياسات تحفيزية وليست عقابية، ومع خفض لنسب الضرائب وتحقيق العدالة الضريبية، وتخفيض لأنواع الضرائب والرسوم. 

 لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2026/01/15/1942882  

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *