تاريخ النشر: 4 أغسطس 2019 (جريدة المال) 

تناول أستاذنا الدكتور أسامة عبيد من خلال مقاله المنشور على جريدة المال الإطار القانونى لرقابة جهاز حماية المنافسة على المرحلة السابقة على الإستحواذات، من خلال الإجراءات والتدابير التى أتخذها الجهاز بشأن صفقة إستحواذ شركة أوبر على كريم وما شابه هذه الإجراءات من تعدى الجهاز حدود إختصاصاته المنصوص عليها فى القانون، وفى الحقيقة أن هذه ليست المرة الأولى التى يتخطى فيها جهاز حماية المنافسة القانون، وذلك لعدة أسباب من بينها أن قانون حماية المنافسة رقم 3 لسنة 2005 يشوبه الكثير من العيوب التى أسفرت عن عدم وضوح رؤية القانون و الإبتعاد عن فلسفته والغرض منه ، وهو ما دفع بنا إلى محاولة الأستطراد على ما أثاره الدكتور أسامة عبيد ( إذا سمح لنا ) بشأن الدور والإطار القانونى لسلطات حماية المنافسة على عمليات التركز الإقتصادى محلياً ودولياً.

تعتمد اَليات حماية المنافسة على نوعين من الرقابة،وهى رقابة على عمليات السوق والتى تشمل الأتفاقيات الخاصة بتقسيم السوق وتقييد عمليات التصنيع والأنتاج والحد من المنافسة ..، أما النوع الاخر وهى الرقابة على عمليات التركز الأقتصادى بما تشمله من عمليات الأندماج الأفقى أو الرأسى،والإستحواذ،والمشاريع المشتركة والتى تعد إحدى صور التحالفات الأقتصادية، والإدارة المتشابكة.

إعتمدت معظم التشريعات الخاصة بحماية المنافسة حول العالم وعلى رأسها قانون المنافسة النموذجى الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية على تطبيق الرقابة على عمليات السوق والرقابة على عمليات التركز الأقتصادى، وبموجب الأخيرة تقوم الأطراف القائمة بعمليات إندماج أو إستحواذ أو أى شكل من أشكال إكتساب حقوق الملكية بإخطار السلطات المعنية بالمنافسة بتلك العمليات فى حالة تجاوزها لرقم أعمال محدد، وتتنوع الأنظمة القانونية فى مدى أثر وضرورة هذا الإخطار بين نظم الإخطار الإلزامى السابق ،والإخطار الإلزامى اللاحق، ونظم الإخطار الطوعى .

وقد أخذ المشرع المصرى بنظام الإخطار الإلزامى اللاحق وفقاً لما نصت عليه المادة 19 من قانون حماية المنافسة فى حالة تجاوز حجم أعمال أحد أطراف الصفقة مائة مليون جنيه ويتم إحتساب المائة مليون جنيه من واقع إجمالى رقم الأعمال السنوى المحقق فى مصر فقط وفقاً لاخر ميزانية معتمدة، وتعد عمليات الإندماج والإستحواذ التى تقع بين شركات تابعة لنفس المجموعة من قبيل عمليات إعادة الهيكلة ولا يترتب عليها إلزام بالإخطار مالم يتغير المتحكم فى الشخص الإعتبارى ويكون الإخطار خلال 30 يوم من تاريخ نفاذ التصرف القانونى وذلك وفقاً لنموذج الإخطار بعمليات الإندماج والإستحواذ الصادر عن جهاز حماية المنافسة فى يونيو 2018.

وقد نصت المادة 22 مكرر من ذات القانون على عقوبة بغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تجاوز 500 ألف جنيه عن الإخلال بتقديم الإخطار خلال المدة المحددة قانوناً. 

وهو ما يعنى عدم وجود نص قانونى يسمح للجهاز بالموافقة أو المنع أو التنفيذ الجزئى على تلك العمليات، على العكس من النظم والتشريعات القانونية المقارنة والتى تعطى صلاحيات واسعة لسلطات حماية المنافسة فى منع تلك العمليات إذا كان من شأنها الحد والتأثير على المنافسة والتى تصل فى بعض القوانين لطلب حل الكيان الناشئ عن الإندماج فى حالة عدم الإمتثال لقرار المنع وفرض أى تدابير وقتة وإدارية وأيه إجراءات ضرورية لإستعادة المنافسة الفعلية فى السوق . المفوضية الأوروبية لشئون المنافسة ( مادة 8 من لائحة المجلس رقم 139/2004) . وكذلك ما ينص عليه القانون الكينى للمنافسة رقم 12 لسنة 2010 فى مادته 42 بإنعدام الأثر القانونى لأى إندماج ينُفذ دون الحصول على إذن من الهيئة المخولة منح الموافقة .

ووفقاً للسلطة الممنوحة للمفوضية الأوروبية فى الرقابة على عمليات التركز الأقتصادى فقد تابعنا فى فبراير الماضى حظر المفوضية الأوروبية مشروع الاندماج بين “ألستوم” الفرنسية و”سيمنز” الألمانية، نظراً لأنها اعتبرته يسئ إلى التنافس في سوق السكك الحديدية داخل الاتحاد الأوروبي، وفق ما جاء في بيان صدر رسمي.كما رفضت المفوضية الأوروبية أيضاً مسعى شركة فيلاند-فيركه لشراء وحدة من أوروبيس، أكبر شركة لصهر النحاس في أوروبا، لأنه قد يرفع أسعار المستهلكين.

وعلى الرغم من عدم منح المشرع المصرى لجهاز حماية المنافسة سلطة الرقابة على عمليات الإندماج والإستحواذ وكافى عمليات التركز الأقتصادى وقصره على الإخطار الإلزامى اللاحق ،إلا أن الواقع العملى يشهد إنتهاك صارخ للقانون من قبل جهاز حماية المنافسة وقيامه بتطبيق صلاحيات غير ممنوحة له قانوناً ، بدأت عام 2012 عندما قام الجهاز بإصدار بيان يفيد بمراقبة صفقة إستحواذ مجموعة كارفور على سلسلة مترو وخير زمان والوقوف على حد المراقبة يمكن أن يكون مقبول وفقاً لدور الجهاز فى حماية المنافسة، إلأ أن الوضع مؤخراً شهد تطور من قيام الجهاز بطلبه من شركتى أوبر وكريم للنقل الذكى بإخطاره بالإستحواذ وإنتظار موافقته قبل تنفيذه ، وهو ما يعد إهدار لمفهوم إحترام القانون وسيادته يهدد بيئة الإستثمار فى مصر ويهدر المحاولات المبذولة لجذب المزيد من الأستثمار ويدفع المستثمرين للبحث عن بيئة إستثمارية أكثر إحتراماً للقانون .

إن الرقابة على عمليات التركز الأقتصادى هى أحد أدوار سلطات حماية المنافسة وأحد أهم الياتها ونحن لا نمانع فى تطبيقها إلا ان المشرع المصرى لم ينص عليها حتى الان ،وإلا أن ينص عليها يجب على جهاز حماية المنافسة الإلتزام بالقانون والإكتفاء بشرط الإخطار اللاحق دون تجاوز لهذا الحد .

مؤمن سليم 

محامى – مكتب سرى الدين وشركاه 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *