تاريخ النشر: 26 أغسطس 2024 ( البورصة)
على الرغم من شهرة فرنسا في إنتاج طبق كبد الإوز المسمّن أوfoie gras (الفو جرة) بالفرنسية، إلا أن المراجع التاريخية تشير إلى أن المصريين القدماء هم أول من قاموا بالتغذية القصرية للطيور 2500 قبل الميلاد، وتعتمد تلك العملية على القيام بالتغذية القصرية للبط والإوز ما يمكن معه توسيع الكبد إلى 10 أضعاف حجمه المعتاد، بإستخدام قمع مزود بأنبوب طويل (20-30 سم)، مما يدفع التغذية إلى مريء الطائر، الأمر الذي يتسبب وفقاً لبعض الدراسات العلمية في التهاب المريء لاحقاً وحدوث إصابات ووفيات بين الطيور نتيجة التغذية الإجبارية بأكثر مما يحتاج/ يتحمل.
وعلى الرغم من الإعتراضات التي تشهدها تلك الوجبة من جمعيات الرفق بالحيوان، بالإضافة إلى المعارضات الأخلاقية لعملية التسمين القصري، والأراء الطبية التي تري وجود أضرار للطائر وللإنسان الذي سيتناول تلك الوجبة، إلا أن القانون الفرنسي ينص على أن هذه الوجبة هي من التراث الثقافي الفرنسي.
إقتصادياً تم تشبيه تلك العملية بعملية “التمويل القسري للشركات الناشئة”، حيث تذهب بعض صناديق رأس المال المُخاطر، والمؤسسات المالية إلى تقديم تمويل مُفرط للشركات الناشئة “بهدف تسريع نموها” فيما يطلق عليه “تأثير كبد الإوز المسمّن”، حيث يتم تمويل تلك الشركات الناشئة بأكثر من قدرتها على التشغيل والإدارة ما ينتهي به الأمر بإفلاس تلك الشركات أو دمجها مع عدد من الشركات الأخرى.
في عام 2023، بلغ حجم تمويلات رأس المال المخاطر عالميًا حوالي 285 مليار دولار. شهد هذا العام انخفاضًا كبيرًا بنسبة 38% مقارنة بعام 2022، حيث كان إجمالي التمويلات آنذاك 462 مليار دولار. هذا التراجع في التمويل كان ملحوظًا في جميع مراحل التمويل: التمويل الأولي انخفض بأكثر من 40%، والتمويل في المراحل المتأخرة انخفض بنسبة 37%، وتمويل البذور انخفض بنسبة تجاوزت 30%، وهذا الإنخفاض لا يعبر عن تصحيح لرؤية الإستثمار في تمويل تلك المشروعات الناشئة نتيجة خسائرها، وإنما هو أكثر تماشياً مع الركود التضخمي الذي شهده العالم في 2023 وارتفاع أسعار الفوائد بما قلص من السيولة المتاحة لمنح تمويلات.
فعلي سبيل المثال في الولايات المتحدة، كانت هناك حوالي 3200 شركة ناشئة مدعومة برأس المال المخاطر قد أغلقت أبوابها في عام 2023، حيث كانت هذه الشركات قد جمعت تمويلات بلغت 27.2 مليار دولار بين عامي 2021 و2022 أي خلال عام كمتوسط بين الحصول على التمويل والإغلاق، وعلى الرغم من أن تلك السنوات لم تكن أفضل أعوام للإستثمار على مستوي العالم بسبب الجائحة و اضطراب سلاسل الإمداد وغيرها من الأسباب – والتي مازالت مستمرة نسبياً حتي الان-، ونظراً لحداثة تلك الشركات فلم تستطع مقاومة الصدمات والدورات الاقتصادية، إلا أنه هناك أسباب أخرى يجب النظر إليها بجدية، فقبل تلك الأعوام كانت هناك شركة صن إديسون sunEdison الأمريكية للطاقة النظيفة والتي حققت أعلى نجاحات لها في 2015 وتقدمت بطلب لإعلان إفلاسها في 2016 على الرغم من دعم الإدارة الأمريكية الديمقراطية لهذا النشاط منذ تأسيس أوباما “مكتب القروض بوزارة الطاقة” عام 2009 لدعم الطاقة النظيفة، كما أن هناك شركة إيرليفت الباكستانية للتجارة الإلكترونية والتي تعمل في توصيل البقالة والأدوية، والتي حصلت في نهاية 2021 على 85 مليون دولار في أكبر جولة تمويل شهدتها باكستان، وشهدت توسعت داخل باكستان وخارجها في كيب تاون وجوهانسبرج وبريتوريا، وفي 12 يوليو 2022 بعد عام واحد تقريباً أعلنت إغلاق أبوابها وتسريح العاملين بها والبالغ عددهم 1300 موظف (أسرة).
هذه التمويلات السخية التي تتمتع بها الشركات الناشئة والتي تشبه عملية التسمين وسرعان ماتغلق أو تُفلس في فترة قصيرة، في ظل حرية تتمتع بها في الدخول والخروج من الأسواق، تؤدى إلى خسائر اجتماعية تتعلق بفقدان العاملين بها إلى وظائفهم، وارتفاع تكلفة التقاضي والمنازعات وزعزعة السلم المجتمعي، بالإضافة إلى خسائر اقتصادية لعمليات التشغيل والعقود المرتبطة بها، فضلاً عن حرمان مشروعات قائمة بالفعل أو ناشئة ولديها فرص أفضل في الإستدامة من الحصول على تلك التمويلات التي تم تجميدها بفضل خسارة المشروع الناشئ وإغلاقه، كل ذلك في ظل حجم دين عالمي يتزايد ويتزامن مع ركود اقتصادي ممتد منذ ثلاثة سنوات تقريباً وسيستمر في ظل حالة عدم الأستقرار التي يشهدها الاقتصاد العالمي والصراعات الإقليمية والدولية.
لا يمكن إنكار أهمية ودور رأس المال المُخاطر في التنمية الأقتصادية، والتشجيع على الإبتكار وهو أحد أهداف وأدوات تحقيق التنمية المستدامة، إلا أننا نرى ضرورة التوقف للحظة للوقوف لتحديد مفهوم الإبتكار، وإحتياجات الأقتصاد والأفراد حول العالم لفكرة هذا المشروع، ومدي مساهمته في توفير الغذاء أو انتقال السلع والخدمات، أو توفير الطاقة، وتسهيل حياة الأفراد والأسر بشكل عام، وما هي القيمة المضافة التي يقدمها؟ ثم ننتقل لبحث أسباب غلق وفشل تلك الشركات وأسباب فقداننا لتلك المشروعات.
والتي عادة ما تكون نتيجة التخلف عن إشراك أصحاب المصلحة المناسبين، والتسرع في تنفيذ الفرصة والتوسعات، أو نتيجة عدم تدرج صاحب المشروع في هيكل وظيفي أو إداري أو تمتعه بخبرة إدارية كافية وكفيلة بحسن إدارته “لمشروعه”، بالإضافة إلى أن تصميم المشروع وخطة العمل عادة ما يتم تصميمهم لجذب التمويلات وليس لجذب العملاء واحتياجات الأسواق من خلال عمليات تشغيل واستراتيجيات واضحة وممكنة، وهو ما يخلق عدم التوازن بين الربحية والنمو فيحدث الإنهيار المفاجئ للإدارة وتغلق الشركة أبوابها.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2024/08/26/1820635


لا تعليق