تاريخ النشر: 27 يناير 2025 ( البورصة)
تواجه مصر كسائر الدول النامية العديد من التحديات التاريخية التى تعوق عمليات التنمية، والتي تتنوع بين التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فعلى سبيل المثال تواجه مصر تاريخياً أزمة الأمية التقليدية والتي على الرغم من إنخفاض نسبتها عام 2023 إلى قرابة 16%، بخلاف الأمية التكنولوجية والتى قد تتجاوز 50% تقريباً، وهي نسب مهينة لدولة بحجم وتاريخ مصر خاصة ونحن على مشارف 2025 والعالم يتوسع داخل الفضاء الرقمي.
بالإضافة إلى تحديات مكافحة الفساد الإداري ورفع كفاءة الخدمات الحكومية، وتخفيض وحسن إدارة الإنفاق العام، وأيضاً التحديات الاقتصادية والتى تشمل محاولات دمج الاقتصاد غير الرسمي، مكافحة الفقر، تخفيض البطالة، وزيادة الإيرادات والصادرات.الخ.
وعلى الرغم من كافة المحاولات الحكومية والشعبية للتغلب على تلك التحديات إلا أنها مازالت مستمرة بل وبعضها في تزايد، ولا سبيل للقضاء عليها بالطرق التقليدية وحدها، بيد أن استخدام الإنترنت وانتشاره من شأنه أن يعزز ضمن إستراتيجية متكاملة مواجهة تلك التحديات، وتحسين مستوى الدخول ورفع معدلات الإنتاج والإنهاء على الأمية، ورفع مستوي الوعي والثقافة، من خلال الاف التطبيقات المختلفة وبرامج الذكاء الإصطناعي المُطورة.
إن ضمانة إنتشار ووصول الإنترنت للجميع أصبح حجر الزاوية في تحقيق التنمية المستدامة، ولا يوجد دليل عملي أكثر من تجربة مصر مع الحكومة الذكية والتي بدأت منذ عام 1997 حين بدء توصيل الإنترنت إلى المنازل والمكاتب بعد أن كان مقتصر على الجامعات ومراكز المعلومات وعدد محدود من الجهات الحكومية عام 1992، ثم أطلقت الحكومة المصريةفي عام 2002 مبادرة “الإنترنت للجميع” بالتعاون مع الشركة المصرية للإتصالات وشركات مزودى خدمات الإنترنت، حيث أصبح تكلفة الإنترنت بسعر المكالمة العادية، وفي 2004 أطلقت الحكومة المصرية مبادرة الإنترنت “فائق السرعة- ADSL-“، الأمر الذى شجع على إنتشار الإنترنت وزيادة أعداد المستخدمين وصولاً إلى 82 مليون مستخدم تقريباً عام 2024، ما يمثل نسبة إنتشار 72% تقريباً، كما بلغت حجم التجارة الإلكترونية في مصر عام 2024 قرابة 9 مليار دولار أمريكي، ونسبة المعاملات المالية الإلكترونية 5% من إجمالي المدفوعات ما يعني أنه مازال هناك سوق واعد لشركات الفينتك والمدفوعات الإلكترونية بنسبة 95%.
كما أن هناك العديد من التجارب الدولية التي وظفت الإنترنت في القضاء على تحدياتها ومشاكلها بل وأصبحت رائدة في مجال التكنولوجيا، مثل الهند التى كانت تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة، ومع انتشار الإنترنت والإستثمار في قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات تحولت إلى قوة اقتصادية صاعدة، كما أنها عمدت إلى استخدام برامج وأنظمة إلكترونية للوصول إلى الأميين في جميع المناطق، مما ساعد في تحديد أعدادهم وأماكن تواجدهم وتخفيض أعدادهم.
وهناك تجربة كينيا التي كانت تعاني من نقص في البنية التحتية المصرفية التقليدية، مما كان يُعيق وصول الكثير من المواطنين إلى الخدمات المالية إلا أنه مع انتشار الهواتف المحمولة وتطبيقات الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول مثل M-Pesa، أصبح بإمكان الكينيين إجراء التحويلات المالية ودفع الفواتير والادخار بسهولة وأمان.
وأيضاً تجربة بنجلاديش في التمكين الإقتصادي للمرأة وتعزيز مشاركة المرأة في سوق العمل، والتي مع انتشار الإنترنت، بدأت العديد من النساء في بنجلاديش في استخدام منصات التجارة الإلكترونية لبيع المنتجات الحرفية والمنزلية، مما أتاح لهن مصدر دخل مستقل ومكنهن من المشاركة في الاقتصاد وتعزيز نمو الاقتصاد في بنجلاديش. كما ساهم الإنترنت في رواندا في تحسين جودة التعليم والرعاية الصحية في المناطق الريفية. وفي المغرب ساهم الإنترنت في تعزيز قطاع السياحة من خلال توفير معلومات شاملة للسياح وتسهيل عمليات الحجز عبر الإنترنت.
إن تقليص الفجوة الرقمية وتحفيز الاقتصاد الرقمي وانتشار الأنترنت يجب ان يكون على رأس أولويات السياسات العامة ، خاصة في ظل ارتفاع النمو السكاني والتوسع العمراني الذي تشهده مصر خلال السنوات الأخيرة، حيث يعمل الإنترنت على تعزيز فاعلية السياسات العامة في كافة المجالات، وهو ما يفرض علينا ضرورة توفير الإنترنت ودعم انتشاره بجودة وسرعة عالية وتكلفة منخفضة، خاصة وأن مصر تعتبر حالياً أحد أهم مراكز تبادل البيانات على مستوي العالم، حيث أنها تأتي في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة الأمريكية من حيث عدد الكابلات البحرية التى تمر عبر أراضيها بعدد 17 كابل تقريباً وجارى العمل على إنشاء المزيد.
يتطلب دعم إنتشار ووصول الإنترنت للجميع عدد من السياسات العامة المتكاملة التي تعمل على تحسين البنية التحتية من خلال زيادة التغطية وتعزيز السرعة وجودة الخدمة، وهو إحدى أهم إنجازات مبادرة حياة كريمة والتى تمكنت من مد مئات القرى بكابلات الألياف الضوئية لتوفير خدمة الانترنت فائق السرعة، إلى جانب إنشاء وتطوير أبراج المحمول لتحسين جودة خدمات الاتصالات.
كما يجب العمل على تقليل تكلفة الوصول إلى الأنترنت وهو ما يمكن العمل عليه من خلال عدد من السياسات المتنوعة، مثل دعم الإنترنت المجاني في الأماكن العامة والحكومية والجامعات والمدارس وغيرها، بالإضافة إلى ضرورة تقديم خدمات الإنترنت المجانية لمستحقي الدعم الإجتماعي، وأخيراً تقديم بعض الإعفاءات الضريبية وتخفيض الرسوم الحكومية على الشركات العاملة في مجال تقديم الخدمة بما يساهم في تخفيض تكلفة وصول الخدمة للمستهلك.
لم يكن الإنترنت في يوم ما رفاهية والان أصبح ضرورة حتمية لتحقيقة التنمية ولإتاحة الفرصة لملايين الأفراد لتحقيق نمو وارتقاء اقتصادي، عبر سياسات حكومية فاعلة تعمل على توسيع انتشار واستخدام الأنترنت، ودعم عمليات التعليم والإبتكار، بما يعمل على القضاء على الأمية وتخفيض نسبة الفقر، وتعزيز المساواة بين الجنسين، وتقليل الفوارق الإجتماعية، وتحسين إدارة الأزمات من خلال تحليل البيانات و نشر المعلومات بسرعة في حالات الطوارئ.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/01/27/1864236
كتب: مؤمن سليم
المستشار القانوني، والباحث الأقتصادي


لا تعليق