تاريخ النشر: 6 أغسطس 2025 ( البورصة) 

في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، تقف البشرية على أعتاب أزمة مالية صامتة لكنها متضخمة: أزمة الديون العالمية. فبحسب تقديرات صندوق النقد الدولي ومعهد التمويل الدولي، بلغ الدين العالمي — العام والخاص — أكثر من 315 تريليون دولار في عام 2024، ما يمثل نحو 336% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وبينما تختلف التفاصيل من دولة إلى أخرى، فإن القصة واحدة: الحكومات، والشركات، والأسر، جميعها تنفق أكثر مما تجني، في دورة لا يبدو أن لها نهاية قريبة.

يشير الدين العام (Government Debt)  إلى ما تقترضه الحكومات لتغطية نفقاتها. وتتصدر دول كاليابان (بدين يفوق 250% من ناتجها المحلي) والولايات المتحدة (نحو 120%) قائمة الدول الأكثر مديونية. وحتى الدول النامية، التي كانت تتمتع بديون معتدلة، شهدت ارتفاعًا حادًا بسبب الإنفاق الاجتماعي والضغوط السياسية والاقتصادية.

بينما يشمل الدين الخاص (Private Debt)، ديون الشركات والأسر. وهو يمثل أكثر من 60% من إجمالي الدين العالمي. فالاقتراض الرخيص بسبب سياسات الفائدة المنخفضة لما بعد الأزمة المالية العالمية دفع الشركات إلى التوسع عبر التمويل بالدين، كما شجّع الأسر على الاقتراض لشراء المنازل والتعليم والاستهلاك.

تاريخياً شهد العالم أربع موجات رئيسية من تراكم الديون منذ السبعينيات، بدأت الموجة الأولي في السبعينات والثمانينيات، حيث حصلت العديد من دول أمريكا اللاتينية خلال السعبينات على قروض كبيرة من البنوك الدولية والمؤسسات المالية بسبب توفر التمويل بأسعار فائدة منخفضة، والتي سرعان ما أرتفعت في أوائل الثمانينيات، ومع انخفاض أسعار السلع الأساسية التي تعتمد عليها تلك الدول في التصدير كمصدر للعملة الأجنبية، بالإضافة إلى الإنفاق الحكومي المفرط، وعجز الموازنة، والتضخم المرتفع بدأت الدول في إعلان عدم قدرتها على سداد الديون، حيث وصلت ديون دول أمريكا اللاتينية الخارجية إلى حوالي 327 مليار دولار أمريكي. ودخلت دول أمريكا الاتينية في ركود عميق أطلق عليه (العقد الضائع)  لتبدأ رحلة إعادة جدولة الديون وعمليات الإصلاح الاقتصادي.

في تسعينات القرن الماضي، وتحديدًا في عام 1997، قادت تايلاند الموجة الثانية من موجات الديون العالمية، وذلك عقب الأزمة المالية التي ضربت دول شرق آسيا. وقد جاءت هذه الأزمة نتيجة الإفراط في الاقتراض، وتكوُّن فقاعة عقارية ناتجة عن التوسع الكبير في الاستثمار بقطاع العقارات، حيث شهدت أسعار العقارات ارتفاعات حادة. وتزامن ذلك مع ضعف الرقابة المالية، وانعدام الشفافية، وانتشار المضاربات على العملات، مما أدى إلى انهيار العديد من الشركات والبنوك بفعل تراكم الديون وانخفاض قيمة الأصول. وقد بلغت إجمالي ديون تلك الدول نحو 400 مليار دولار، كانت في معظمها ديونًا على القطاع الخاص وليست ديونًا حكومية. وانتهت الأزمة بتدخل صندوق النقد الدولي، الذي قدم حزم إنقاذ مالية للدول المتضررة مقابل تنفيذ برامج إصلاح اقتصادي شاملة.

وعقب الأزمة المالية العالمية في عام 2008، شهد الاقتصاد العالمي الموجة الثالثة من موجات الديون، والتي تميزت بارتفاعات غير مسبوقة في مستويات الديون، سواء الديون السيادية أو ديون الشركات أو ديون الأسر. وقد قُدِّر إجمالي الدين العالمي الناجم عن تلك الأزمة بنحو 250 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 230% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو مستوى غير مسبوق مقارنةً بعام 2007، حيث كان الدين العالمي آنذاك نحو 140 تريليون دولار فقط.

وخلال هذه الأزمة، شهدت الأسواق الناشئة أسرع وتيرة تراكم للديون خلال نصف قرن، إذ ارتفع إجمالي الدين من نحو 90% إلى 170% من الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من 2010 إلى 2018. وكانت الغالبية العظمى من هذه الديون صادرة عن مؤسسات مالية غير مصرفية أو من مصادر تمويل خارجية مقومة بالدولار الأمريكي.

ولم يكد العالم يتعافى من تداعيات الموجة الثالثة من الديون حتى دخل في الموجة الرابعة، والتي أعقبت تفشي جائحة كورونا في عام 2020، وتُعد هذه الموجة الأخطر من حيث الحجم، والسرعة، والتعقيد، بحسب تقديرات كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. وقد وصفها البنك الدولي بأنها أسرع وأوسع موجة تراكم للديون في الدول النامية والأسواق الناشئة خلال نصف قرن، إذ بدأت هذه الموجة مع التوسع الكبير في الإنفاق لمواجهة آثار الجائحة، في ظل انخفاض الإيرادات وتزايد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.

وقد تجاوز حجم الدين العالمي في هذه المرحلة 330 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 350% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو مستوى غير مسبوق. وتشير التقديرات إلى أن الدول النامية وحدها تتحمل ما يقرب من 100 تريليون دولار من هذا الدين، مما يفاقم من هشاشتها المالية ويجعلها أكثر عرضة لصدمات أسعار الفائدة، وتقلبات الأسواق، وشروط التمويل الخارجي.

إن تتبّع الموجات الأربع لأزمات الديون العالمية يكشف عن نمط متكرر من التراكم المفرط للديون في سياقات تتسم بوفرة السيولة، وضعف الرقابة، والتوسع غير المنضبط في الاقتراض، يليه انهيار مفاجئ يستدعي تدخلاً خارجيًا من قبل المؤسسات المالية الدولية، غالبًا ما يكون مشروطًا بإصلاحات هيكلية قاسية. وتُبرز هذه الموجات ملاحظتين محوريتين: أولًا، أن الجزء الأكبر من الدين في الموجات الثلاث الأخيرة تركز في القطاع الخاص لا الحكومي، وهو ما يعكس تصاعد النزعة المالية وتزايد ترابط الأسواق العالمية. وثانيًا، أن الدول النامية كانت الأكثر هشاشة والأقل قدرة على امتصاص الصدمات، بفعل اعتمادها الكبير على التمويل الخارجي المقوّم بالدولار، وضعف بنيتها المالية، ومحدودية أدواتها النقدية والمالية في مواجهة الأزمات.

وتتسم الموجة الرابعة، التي أعقبت جائحة كورونا، بخطورة خاصة لكونها لم تأتِ في سياق أزمة واحدة، بل في ظل سلسلة من الأزمات المتلاحقة والمتشابكة، التي عمّقت اختلالات الاقتصاد العالمي وزادت من الضغوط التمويلية على الدول النامية. فقد أدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى أزمة طاقة وغذاء عالمية، وتسببت في ارتفاعات حادة في الأسعار. كما تصاعدت التوترات الجيوسياسية، واختلت سلاسل الإمداد، وارتفعت معدلات التضخم العالمي، لتدفع البنوك المركزية الكبرى نحو تشديد السياسات النقدية ورفع أسعار الفائدة، مما زاد من كلفة خدمة الدين، خاصة على الدول المثقلة بالاقتراض الخارجي. ووسط كل ذلك، يظل تغير المناخ عاملاً مضاعفًا للمخاطر، إذ يفرض ضغوطًا مالية متزايدة على الدول الفقيرة التي تعاني من شح الموارد والاستثمار.

وإلى جانب هذه الأزمات الظرفية، هناك عوامل هيكلية عمّقت الأزمة، أبرزها الاعتماد المفرط على النمو المدفوع بالديون، بدلًا من الاستثمار في الإنتاجية والابتكار، واعتماد سياسات نقدية ميسّرة لسنوات طويلة، شجّعت على الاقتراض الرخيص دون ضوابط. كما يفاقم من الوضع غياب العدالة في النظام الضريبي العالمي، الذي يسمح بتسرب الإيرادات من الدول النامية إلى الملاذات الضريبية، مما يدفعها نحو مزيد من الاعتماد على الدين الخارجي. وأخيرًا، فإن تفكك الانضباط المالي في العديد من الديمقراطيات، نتيجة الضغوط الشعبوية لزيادة الإنفاق، زاد من هشاشة الاقتصادات أمام الصدمات.

كل ذلك يفرض مراجعة عميقة لمنظومة الديون العالمية، وآليات التمويل الدولي، وأولويات السياسات الاقتصادية، خاصة في ظل هذا العصر الذي تتكاثر فيه الأزمات وتتشابك فيه التحديات بطريقة غير مسبوقة.

تاريخ الديون مليء بالدورات التي تنتهي بانفجارات مالية أو إصلاحات جذرية. السؤال الآن: هل يتعلم العالم من التجارب الماضية أم يسير نحو انفجار خامس؟ المؤشرات مختلطة، لكن ما هو واضح أن أزمة الدين لم تعد قضية اقتصادية بحتة، بل أصبحت مسألة تتعلق بالعدالة الدولية والاستقرار العالمي.

لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/08/06/1906344 

 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *