تاريخ النشر: 9 أكتوبر 2025 ( البورصة)

لم يعد العقار في مصر مجرد نشاط اقتصادي تقليدي، بل صار مرآة لحركة الاقتصاد كله. فالسوق العقاري اليوم يمثل نحو خمس الناتج المحلي الإجمالي، وتتشابك معه قطاعات أخرى تضيف النسبة ذاتها تقريبًا، ما يجعله قاطرة للنمو ومحورًا لجذب الاستثمارات. هذه المكانة لم تأت من فراغ، فالسوق يُقدّر حاليًا بحوالي 20 مليار دولار مع توقعات ببلوغه 33 مليارًا بحلول 2029، فيما تضاعفت مبيعات كبرى الشركات العقارية في عام واحد، من 701 مليار جنيه في 2023 إلى نحو 1.4 تريليون في 2024.

لكن خلف هذا الوهج تكمن صورة أكثر تعقيدًا، المعروض من الوحدات يتزايد بشكل مستمر بفضل المدن الجديدة والمشروعات الكبرى، بينما يظل الطلب قويًا من المصريين الباحثين عن حفظ قيمة مدخراتهم، ومن المستثمرين الخليجيين والأجانب. غير أن الطلب الفعلي يصطدم بواقع القدرة الشرائية، فارتفاع الأسعار بنسبة تقارب 42% في عام واحد جعل حلم التملك بعيد المنال للكثيرين، رغم أن الرغبة في الشراء تضاعفت أكثر من مرة منذ 2016.

المعضلة إذن ليست في غياب الطلب ولا في ضعف المعروض، بل في فجوة عميقة بين الأسعار والدخول الحقيقية، يفاقمها نقص أدوات التمويل العقاري المناسبة، وتعقيدات التسجيل، وضعف الرقابة على إدارة المجتمعات العمرانية الجديدة. كما أن الاستثمار الفردي في السوق لا يزال يميل إلى العشوائية والمضاربة، بدلًا من أن يتحول إلى استثمار مؤسسي مستدام.

بالإضافة إلى تحول شركات التطوير العقاري إلى شركات إدارة محافظ استثمارية، من خلال تداول الأفراد على الحجوزات والتنازلات، وقيام الشركات بالتقسيط المباشر للعملاء، الأمر الذي يحمل تكلفة الوحدة أكثر من ضعف قيمتها الفعلية بعد الأرباح، فضلاً عن أن نظام تقسيط الشركات مع الإستلام اللاحق، يمنح شركات التطوير العقاري فرصة لإعادة دورة رأس المال أكثر من مرة قبل التسليم، وهو ما يخل بسوق الاستثمارات من ناحية، ويؤثر على كفاءتها في قيامها بعملها الرئيسي وهو التطوير والإنشاء، ويعمل على رفع أسعار الوحدات بشكل غير منطقي.

هذه التحديات تفرض علينا إعادة هيكلة وتنظيم قطاع التطوير العقاري في مصر، وذلك من خلال تحديد نشاط شركات التطوير العقاري في الإنشاء والتعمير، مع تعزيز دور شركات التمويل العقاري المستقلة عن المطورين،  بما يتيح حلولًا أكثر مرونة لتمكين الطبقة المتوسطة من الشراء، مع ضرورة تنظيم عملية إعادة البيع. كما يجب العمل على إصلاح منظومة التسجيل عبر الاعتماد على السجل العيني وربط التسجيل بسداد قيمة الوحدة كاملاً، مع إنشاء هامش  للتأشير بالوحدات محل التقسيط، بما يضمن حقوق المشتريين ويحد من النزاعات. وثالثها فصل شركات الإدارة عن شركات التطوير، مع تحديث قانون اتحاد الشاغلين ليتماشى مع طبيعة المجتمعات السكنية الحديثة ويضع ضوابط واضحة للتعامل مع ودائع الصيانة.

إلى جانب ذلك، يجب فتح نقاش حول خلق أدوات استثمارية جديدة ومبتكرة مثل التمويل التشاركي وصناديق الاستثمار العقاري، مع منح ترخيص لشركات متخصصة لإدارة الوحدات السكنية والإدارية والتجارية بعقود نموذجية تحمي الملاك وتمنع الاستغلال وتُمكن الشركة من إيجار واستغلال الوحدات لصالح المالك. وفي الجانب القانوني، فمن الضروري إنشاء دوائر متخصصة داخل المحاكم للفصل السريع في منازعات التطوير العقاري فقط، ما يعزز الشفافية والثقة في السوق.

هكذا يقف القطاع العقاري في مصر عند مفترق طرق، بين طفرة نمو هائلة تقودها التوسعات العمرانية غير المسبوقة، وبين حاجة مُلحّة لإصلاحات هيكلية من خلال قانون خاص بالتطوير العقاري تضمن أن يتحول العقار من مجرد وعاء ادخاري ومجال مضاربة، إلى محرك حقيقي للتنمية الاقتصادية المستدامة يواكب تطلعات رؤية مصر 2030.

لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/10/09/1920871 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *