تاريخ النشر : 22 ديسمبر 2025 (جريدة البورصة)
بعد استعراض تاريخ العلاقة بين مصر وصندوق النقد الدولي، ومع قرب انتهاء مدة الأتفاق الأخير لمصر مع الصندوق المقرر له يونيو 2026، يثور التساؤل ماذا قدم الصندوق؟ وماذا بعد انتهاء الأتفاق؟ ومتي تنتهي الأزمة الأقتصادية في مصر خاصة مع الدين الخارجي الضخم المتراكم والذي يتجاوز 160 مليار دولار؟
يُمثل اللجوء إلى صندوق النقد الدولي لحظة الحقيقة الاقتصادية لأي دولة تكون في أزمة اقتصادية حادة، نتيجة تراكمات من السياسات الاقتصادية التى لم تكن مناسبة لظروفها وإمكانياتها، وهو حال المريض الذي تأخر عن تعاطي الدواء فأصبح الحل في إجراء عملية، والعملية وفقاً لصندوق النقد تتمثل في برامج اقتصادية صارمة عنوانها “التقشف”، وهي الإجراءات غير المُرضية لأى مجتمع والذي يُعاني أفراده أصلاً من جراء الأزمة الاقتصادية.
في الثمانينيات والتسعينيات اعتمد الصندوق على (إجماع واشنطن)، وهي مجموعة من السياسات الاقتصادية التي تتمثل في الانضباط المالي (تقليل العجز من خلال التقشف)، تحرير التجارة والأسعار، خصخصة الشركات والخدمات الحكومية، جذب الأستثمار الأجنبي، مرونة سعر الصرف، وذلك من خلال برامج التكيف الهيكلي، وبشكل مختصر كانت تلك السياسات تهدف إلى ضبط السياسات النقدية والمالية بهدف تخفيض الإنفاق، وتحسين فرص تدفق الأموال من خلال الأستثمارات الأجنبية المباشرة والغير مباشرة.
إلا أنه وبعد الأزمة المالية الاسيوية والأزمة المالية العالمية أصبح الصندوق أكثر مرونة، من خلال التركيز على الحماية الأجتماعية وتقليل التقشف الشديد مع السماح بالتوسع المالي في بعض الحالات خاصة بعد 2008، بالإضافة إلى التركيز على الإصلاحات الهيكلية الرئيسية مع مراعاة – السياق الوطني -، وبعد أزمة الكوفيد والحرب في أوكرانيا ركز الصندوق على بناء الصلابة ضد الصدمات (مثل المناخ، والأزمات العالمية المفاجئة)، مع مرونة أكبر في الشروط من خلال التعاون البنك الدولي، حيث وقع كلاً من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير عام 1989 اتفاقية الكونكوردات (The IMF-World Bank Concordat)، بهدف توضيح وتعزيز التعاون بينهما، بموجبها يقدم الصندوق مسكنات للآلام النقدية، بينما يقدم البنك الدولي برامج العلاج الطبيعي لهيكل الاقتصاد. وغالباً ما ترتبط برامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي بتعاون مع البنك الدولي، وذلك بهدف تخفيف اثار الإصلاح الاقتصادي ونتائجها التي انعكست على كثير من البلدان التي تعاونت مع الصندوق قبل هذه الأتفاقية والتي خلفت ورائها نسب فقر وبطالة عالية،
وهو ما تم تطبيقه في حالة مصر عند الأتفاق على برنامج الإصلاح الاقتصادي في التسعينات حيث قدم البنك الدولي حينها عدد من القروض الميسرة بهدف دعم ميزان المدفوعات وتوفير السيولة اللازمة للأصلاحات، كما ساهم البنك بشكل رئيسي في تأسيس (الصندوق الأجتماعي للتنمية) عام 1991 بهدف امتصاص الاَثار الجانبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي وتوفير شبكة أمان للعمال الذين خرجوا للمعاش المبكر نتيجة الخصخصة، وأيضاً تمويل المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر للشباب كبديل للتوظيف الحكومي الذي توقف ضمن خطة التقشف، إلى جانب تمويل مشروعات البنية التحتية (كثيفة العمالة) في القرى بإستخدام عمالة يدوية لتقليل معدلات البطالة، كما قدم البنك الدولي اَنذاك الخبرة والتمويل في مجالات إصلاح قطاع الطاقة والزراعة وتطوير الإدارة العامة وإصلاح القطاع المصرفي، ودعم قطاعي التعليم والصحة.
وفي برنامج 2016 قدم البنك الدولي أيضاً تمويلاً لبرنامج (تكافل وكرامة)، مع ربط الدعم بإستمرار الأطفال في التعليم والحصول على الرعاية الصحية، كما ساعد في تحسين مجال الطاقة من خلال قانون الكهرباء الجديد والذي سمح للقطاع الخاص بإنتاج الطاقة وبيعها، وهو ما نتج عنه ظهور مشروعات عملاقة مثل محطة (بنبان) للطاقة الشمسية والتي كانت بتمويل ودعم فني من مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي، كما ركز البنك الدولي أيضاً على حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتقديم الأستشارات في مجال التعاون بين القطاعين العام والخاص، والمساهمة في إعداد برنامج الطروحات الحكومية والتي تتولى مؤسسة التمويل الدولية المستشار الأستراتيجي للبرنامج.
والان ونحن على أعتاب انتهاء برنامج صندوق النقد مع مصر والمقرر له يونيو 2026، نقف لنراجع ما تم و مستقبل مصر الأقتصادي، والواقع أن التعامل مع صندوق النقد الدولي منذ ستينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من تطورات وغيرات برامد الصندوق ، إلا أنها كشفت عن نمط تكراري في التحديات والحلول من جانب الحكومة والصندوق مع دروس رئيسية يمكن الأستفادة منها لبناء اقتصاد قوي قادر على مواجهة الصدمات، ومنح المواطنين قدرات اقتصادية تخرجهم من حالة العوز والفقر المستدامة منذ عقود.
فقد نجحت الأتفاقيات من الستينيات وحتي التسعينيات في الأستقرار – قصير الأجل- مثل خفض التضخم، لكنها فشلت على المدى الطويل بسبب تأجيل الإصلاحات الهيكلية والحد من دور الدولة، وهو ما برز في الحالة الاقتصادية في مصر عام 2003 بعد نجاح برنامج التسعينيات، حيث واجه الاقتصاد أزمة نتيجة الأزمة الاسيوية وأزمة غزو العراق، وهو ما أضطر الحكومة إلى صياغة برنامج إصلاح وطني دون اللجوء إلى الصندوق من خلال تحريك سعر الصرف وإجراء بعض الإصلاحات الهيكلية وخصخصة بعض الشركات الحكومية، وهو ذات الوضع في الفترة من 2011 وحتي 2016 مع ارتفاع الدين إلى 90% من الناتج المحلي، وقد نجحت الطروحات الحكومية الأخيرة في ارتفاع نسب النمو، وجذب الأستثمارات الأجنبية والتي حققت دخول دولارية لم تشهدها مصر من قبل، مما يؤكد على أن النمو الخاص هو مفتاح الخروج من الدورة الأقتصادية المتكررة المرتبطة بالأعتماد على الوادرات والصدمات الخارجية.
كما أظهرت أزمة الكوفيد وحرب أوكرانيا وغزة أن الأعتماد على السياحة وقناة السويس يجعل الأقتصاد عرضة للصدمات، وقد ينجح التمويل الطارئ في المساعدة على الحفاظ على النمو إلا أنه لا يساعد في تحقيق الأستقرار الاقتصادي، دون دمجه مع تنويع الإيرادات ومرونة سعر الصرف، كما أن الإصلاحات الاقتصادية المتعلقة بخفض الدعم وتحرير أسعار السلع والخدمات تعمل على توسيع وزيادة نسبة الفقر، مالم يصاحبها برامج حماية اجتماعية مثل (تكافل وكرامة)، كما أن الأستثمار في المناخ يحمي من مخاطر مثل الجفاف في الدلتا، ويساعد في جذب استثمارات أجنبية والتماشي مع الأجندة الأستثمارية العالمية.
بشكل عام، ساعدت الاتفاقيات مصر في تحقيق نمو متوسط 4% سنويًا منذ 2016، وساعدت أيضاً في جذب استثمارات أجنبية مباشرة وفتح أبواب التمويل الإقليمي مثل صفقة رأس الحكمة والتي جذبت 35 مليار دولار في 2024، لكنها أبرزت الحاجة إلى انتقال جذري نحو اقتصاد خاص ومستدام، عبر مشروع اقتصادي وطني عنوانه (الإصلاحات الهيكلية، مكافحة الفقر) من خلال تعزيز الحوكمة والإصلاح الإداري والتحول الرقمي، وتقليل بصمة الدولة في الاقتصاد، مع توسيع صلاحيات وعمل جهاز حماية المنافسة، مع العمل على تعزيز الشمول المالي، وتوسيع القاعدة الضريبية مع إصلاح المنظومة، وتحسين بيئة الأعمال، وتشجيع الأفراد على الأنتاج من خلال برامج فنية ومالية متخصصة، كما يجب إعطاء أولوية قصوى لبناء الأنسان من خلال تعظيم الأستثمار في الصحة والتعليم.
تُركز برامج صندوق النقد الدولي على الأستقرار النقدي (الورق) وتحقيق مستهدفات رقمية، بينما تهمل التحول الإنتاجي (المصانع وأفراد المجتمع)، فالصندوق يمنحك الوقت عبر السيولة إذا لم تستغل الدولة هذا الوقت لبناء اقتصاد حقيقي، فإنها ستعود للصندوق بمجرد نفاد القرض والوقت، وهو حال الكثير من التجارب السابقة للصندوق والتي كان سببها الرئيسي فشل الحكومات في صياغة وتحقيق برنامج اقتصادي خاص بها يتماشى مع ظروفها وإمكانياتها.
لينك المقال : https://www.alborsaanews.com/2025/12/22/1937614


لا تعليق