تاريخ النشر: 10 سبتمبر 2025 (البورصة)

يُعد فض المنازعات أحد الركائز الأساسية لتعزيز بيئة الاستثمار، حيث يساهم في توفير مناخ آمن ومستقر للمستثمرين من خلال تقديم حلول سريعة وفعالة للخلافات التي قد تنشأ بين الأطراف، فضلاً عن ما توفره اَليات فض المنازعات من استثمارات بذاتها.

فقد شهدت الاستثمارات في إنشاء مراكز فض المنازعات نموًا ملحوظًا، حيث تُعد هذه المراكز ركيزة أساسية لدعم الاستثمار الأجنبي المباشر. وفقًا لتقارير دولية، يُقدر حجم الاستثمارات في إنشاء وتطوير مراكز التحكيم والوساطة بمليارات الدولارات سنويًا، خاصة في مراكز مالية وتجارية رئيسية مثل لندن، سنغافورة، هونغ كونغ، ودبي. 

على سبيل المثال مركز دبي الدولي للتحكيم (DIAC) شهد استثمارات كبيرة لتطوير بنيته التحتية وتعزيز قدراته التقنية، مما جعله أحد أبرز مراكز التحكيم في الشرق الأوسط، كما شهد مركز سنغافورة الدولي للتحكيم (SIAC) والذي يُعد نموذجًا للاستثمار في البنية التحتية القانونية، حيث يجذب نزاعات بقيمة تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا، وأيضاً المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID) والذي يعالج نزاعات استثمارية بقيمة إجمالية تتجاوز 100 مليار دولار، مما يعكس أهمية الاستثمار في مثل هذه المراكز.

تُشير التقديرات إلى أن الاستثمارات في هذا القطاع ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالنمو الاقتصادي، حيث تساهم مراكز فض المنازعات في جذب الاستثمار الأجنبي المباشر من خلال توفير بيئة قانونية موثوقة، وهناك الكثير من التجارب الدولية في هذا المجال، ففي سنغافورة على سبيل المثال والتي تُعد نموذجاً رائداً في فض المنازعات، حيث أنشأت مركز سنغافورة الدولي للتحكيم (SIAC) ومركز ماكسويل للوساطة. هذه المراكز تستفيد من قوانين متقدمة، بنية تحتية متطورة، ودعم حكومي قوي، مما جعلها وجهة مفضلة لتسوية المنازعات التجارية الدولية.

وفي المملكة المتحدة تُعتبر محكمة لندن للتحكيم الدولي (LCIA) واحدة من أقدم وأنجح مراكز التحكيم في العالم. تستفيد المملكة المتحدة من نظام قانوني قوي وسمعة عالمية في الحيادية، مما يجذب المستثمرين لتسوية منازعاتهم هناك.

وأيضاً مركز هونغ كونج للتحكيم الدولي (HKIAC) يُظهر كيف يمكن للاستثمار في مراكز فض المنازعات أن يدعم النمو الاقتصادي، حيث يعالج نزاعات تجارية واستثمارية بقيمة كبيرة، مستفيدًا من موقع هونغ كونج كمركز مالي عالمي.

أظهرت دراسة حديثة أجرتها شركة المحاماة white & case بالتعاون مع كلية كوين ماري للتحكيم الدولي، أن مدينتي لندن وسنغافورة لا تزالان تواصلان صدارتهما كأكثر المدن اختياراً لمقرات التحكيم الدولي على مستوى العالم. ثم تأتي كل من هونغ كونغ وباريس وجنيف في المراتب التالية من حيث التفضيل كمقرات للتحكيم الدولي. كما أظهرت الدراسة أن المشاركين يميلون إلى اختيار مقرات تحكيم داخل مناطقهم الجغرافية؛ فعلى سبيل المثال، يفضل المشاركون في آسيا والمحيط الهادئ مقرات مثل سنغافورة وهونغ كونغ، بينما يفضل المشاركون في أوروبا لندن وباريس.

وتشمل العوامل التي تؤثر على اختيار مقر التحكيم الدعم المقدم من المحاكم المحلية، وحيادية النظام القانوني المحلي، وقوة المراكز التحكيمية وسجل التنفيذ القوي للاتفاقيات والأحكام التحكيمية.

وتُظهر هذه النتيجة ثقة الشركات والمؤسسات في النظام القانوني والمراكز التحكيمية لكل من لندن وسنغافورة. كما تعكس جاذبية المدينتين للاستثمارات الدولية بسبب الشفافية والكفاءة في فض النزاعات. 

وفي مصر صاحبة أول مركز تحكيم تجاري في أفريقيا والشرق الأوسط وهو مركز القاهرة الأقليمي للتحكيم التجاري الدولي، والمنشأ عام 1979 تحت رعاية من المنظمة الاَسيوية – الأفريقية للأستشارات القانونية AALCO بإتفاق مع الحكومة المصرية اَنذاك، وأول مركز أقليمي يتعاون مع المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار ICSID، لم تتجاوز عدد القضايا التي استضافها المركز منذ إنشاءه وحتي نهاية العام الماضي 1800 قضية، في مقابل 5000 قضية أستضافها مركز دبي للتحكيم المنشأ عام 1994.

الأمر الذي يجب الوقوف عنده لبحث أسباب ضعف الإقبال على مركز القاهرة الأقليمي للتحكيم، على الرغم من تاريخه العريق وسمعته الدولية الجيدة، وأيضاً يجب بحث ضعف سوق فض المنازعات في مصر، ولماذا لم يخرج إلى النور على مدار السنوات الكثيرة الماضية مركز فض منازعات دولي جديد في مصر يحوز على ثقة المستثمرين الدوليين، بإستثناء المراكز التابعة للهيئات.

إن أهمية مراكز فض المنازعات بما تشمله من طرق مختلفة مثل التحكيم والوساطة والتوفيق، ليست فقط في تخفيف الضغط على المحاكم، والمساهمة في تحقيق السلم المجتمعي، وإنما أيضاً هي بوصلة للأستثمارات الأجنبية، وإنعكاس لجاذبية الدولة للأستثمار الأجنبي، ورافد رئيسي لأقتصاد الخدمات.

وعلى الرغم من التحديث الدوري الذي يقوم به مركز القاهرة الأقليمي للتحكيم لقواعده خاصة فيما يتعلق بالمحكم الطارئ وقواعد الدمج، وعلى الرغم من إنضمام مصر لأتفاقية نيويورك منذ عام 1959 (بلا تحفظات)، وهو ما يعكس ميزة نسبية في تعزيز إنفاذ الأحكام لصالح المستثمرين، إلا أننا مازلنا بحاجة إلى تحديث البيئة القانونية والتي تتطور بشكل يومي خاصة مع دخول الذكاء الإصطناعي في مجال التقاضي وفض المنازعات، وعلى رأسها إصدار قانون جديد للتحكيم، – والذى قد تشكلت له لجنة منذ فترة كبيرة لم يخرج عنها أية نتائج معلنة حتي تاريخه – ، وفي نفس السياق فإننا بحاجة إلى مزيد من المرونة والتيسير في تنفيذ أحكام التحكيم.

ومن ناحية أخرى فإن تعزيز دور مركز القاهرة الإقليمي للتحكيم التجاري الدولي، الذي يُعد أحد أقدم مراكز التحكيم في المنطقة، من خلال تزويده بالموارد البشرية واللوجيستية والتقنية اللازمة، وتطوير الشفافية الإجرائية، وتعميق التحول الرقمي، وتوسيع قاعدة المحكمين لديه ووضع معايير لضمان تدوير القضايا وكسر حالة شبه الإحتكار القائمة، وتحسين جداول الأتعاب للمسارات المُعجّلة، وضرورة التواصل مع البنوك لإصدار برامج تمويل فض المنازعات Third Party Funding، بما يساهم في تخفيف أحد أهم معوقات اللجوء إلى التحكيم وهي الرسوم، ويخلق وعاء إستثماري جديد للبنوك.

بالإضافة إلى تطوير برامج تدريبية متخصصة وإحترافية للمحكمين والوسطاء، بالتعاون مع المؤسسات الدولية مثل المركز الدولي لتسوية المنازعات ICSID، أو غرفة التجارة الدولية، وتشجيع الشراكات مع الجامعات المصرية لتقديم برامج أكاديمية في قانون التحكيم والوساطة.كما يجب العمل على تحفيز خطط تأسيس مراكز دولية مستقلة لفض المنازعات إلى جانب مركز القاهرة، والتعاون مع مراكز التحكيم الدولية و الأقليمية بشأن إنشاء فروع لها بمصر، ولتطوير مراكز إقليمية للتحكيم تخدم منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

إن الاستثمار في فض المنازعات يُعد ركيزة أساسية لتعزيز جاذبية مصر كوجهة استثمارية. من خلال الاستفادة من مزايا التحكيم والوساطة، مثل السرعة، المرونة، والسرية، ويمكن لمصر بناء بيئة قانونية موثوقة تدعم المستثمرين المحليين والأجانب. ولقد أثبتت التجارب الدولية الناجحة،  أن الاستثمار في مراكز فض المنازعات يعزز النمو الاقتصادي ويجذب رؤوس الأموال. كما أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ينظران للتحكيم كعنصر من عناصر “مناخ الأعمال الجيد”، كما أن توافر مراكز تحكيم قوية لدى الدولة يسهم في رفع تقييمها في مؤشرات مثل (إنفاذ العقود، حل النزاعات التجارية، سهولة ممارسة الأعمال)، فضلاً عن أن الشركات التي تستثمر في البنية التحتية والطاقة والمرافق العامة تهتم كثيراً باَليات فض المنازعات، فإذا اطمأنت إلى وجود مركز تحكيم فعال، فتكون أكثر استعداداً لضخ استثمارات كبيرة وطويلة الأجل.

لدينا فرصة لتصبح مصر مركزاً إقليمياً لفض المنازعات، مما يساهم في تحقيق أهداف التنمية المستدامة ورؤية مصر 2030، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال خطة متوسطة المدى تتضمن تحديث التشريعات، تطوير البنية التحتية والتكنولوجية، ودمج الذكاء الإصطناعي، وتدريب الكوادر.

لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/09/10/1914195 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *