تاريخ النشر: 19 يوليو 2026 (جريدة البورصة)
تفترض النظرية الاقتصادية التقليدية أن الندرة تنطبق على الموارد المادية مثل النفط أو الذهب، إلا أن العصر الرقمي أبرز تحول في تطبيق الندرة، حيث انتقلت الندرة إلى الموارد المعرفية، فالمعلومات والتي تمثل جانب العرض أصبحت وفيرة بحجم ضخم، بينما الانتباه البشري والذي يمثل جانب الطلب محدود ومقدار الوقت المتاح في اليوم ثابت، وهو ما خلق من الانتباه أصل اقتصادي قيم تسعى الشركات للاستحواذ عليه، وأيضاً حول الانسان من مستهلك إلى سلعة تتنافس عليها الشركات.
في عام 1971 حذر الاقتصادي الأمريكي هربرت سيمون والحائز على جائزة نوبل من أن وفرة المعلومات ستخلق فقراً في الانتباه، وفي عام 1997 تنبأ مايكل جولدهابر في مقاله المنشور بمجلة wired بأن الانتباه سيصبح العملة الجديدة للعصر الرقمي، وهى النبؤة التي تحققت ونعيشها اليوم.
حيث تعمل المنصات بخوارزميات تعمل على تقديم خدمات مجانية مثل الفيديوهات والصور والأخبار وغيرها مقابل انتباهك، ففي كل تمريرة وتوقف وإعجاب وتعليق يقوم بها المستخدم، تتعرف الخوارزمية على سلوك المستخدم واهتماماته وأخلاقه ووظيفته وعمره وغيرها من المعلومات التي تعمل على تحليلها وخلق نموذج مشابه لها قادر على التنبؤ برد فعله وسلوكه المستقبلي، وهو ما يمكنها من جذب انتباه المستخدم ثم تبيع هذا الانتباه إلى المعلنين بمليارات الدولارات، حيث تجاوزت قيمة الاعلانات الرقمية عام 2025 سبعمائة مليار دولار من إجمالي الإنفاق الاعلاني العالمي البالغ أكثر من تريليون دولار، بما يشكل نسبة 73% من إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي.
هذا التحول الاقتصادي والذي خلق أسواق رقمية جديدة، حولت الفرد وانتباهه من مستهلك إلى سلعة، وأعادت تعريف عناصر ومكونات الاقتصاد، يثير الكثير من الأسئلة الفلسفية والمتعلقة بالحريات خاصة حرية الإرادة والحريات السياسية والاجتماعية، ففي ظل عمل تلك الخوارزميات هل مازل الفرد يمتلك إرادة حرة؟ وما مدى تأثير تلك الخوارزميات على النظم السياسية وكيفية انتخابها؟ وهل أصبح المزاج العام للأفراد والتحكم في سلوكهم رهينة التفوق التكنولوجي؟ وإذا كان التفوق التكنولوجي للشركات هو الحاكم والمسيطر على الأفراد وسلوكهم، فهل هذا يعني انتهاء السيطرة الأمنية للنظم السياسية والتحول للسيطرة الرقمية؟ وكيف يمكن تحقيق السيادة الرقمية للدول إذا ما اكنت تفتقر للتكنولوجيا اللازمة؟ كما أن إذا كانت تكلفة الفرصة البديلة في النظرية الاقتصادية تمثل قيمة البديل الضائع عند اتخاذ قرار معين، ففي اقتصاد الانتباه فإن تكلفة الفرصة البديلة تتمثل في الأنشطة الأخرى التي كان يمكن للمستخدم القيام بها مثل العمل، التفاعل الاجتماعي الحقيقي وليس الافتراضي، أو القراءة أو ممارسة الرياضة وغيرها.
الان ونحن نحصد نتائج اقتصاد الانتباه والتي بدأت تظهر في تراجع القدرة على التركيز، والقلق العام المتصاعد، وأجيال تنشأ وسط تشتت دائم وبمعدلات ذكاء تقل ولأول مرة عن الأجيال السابقة، كل ذلك يفرض علينا ليس كمجتمع ودولة ولكن كمجتمع عالمي إلى العمل على فرض قوانين للحد من تصميم المنصات الإدماني ومكافحة الإدمان الرقمي، وهو ما قامت به العديد من الدول مثل استراليا والتي حظرت استخدام المنصات لمن هم دون ال 16 عاماً، كما عمدت دول الأتحاد الأوروبي لفرض تشريعت مماثلة وأيضاً تركيا والإمارات العربية المتحدة، وفي مصر هناك مشروع قانون لتنظيم حقوق الطفل في الفضاء الرقمي، تلك التشريعات لا تمثل تيار رجعي أو مكافح للتقدم التكنولوجي، ولا تمثل أيضاً معركة ضد الشركات التكنولوجية، وإنما هي تقنين ورقابة لنماذج الأعمال التي قد تتسبب في انتهاك الإنسانية، والتي تحد من القدرة على التفكير والشعور والتواصل الحقيقي.
كما أن دور الدول لا يجب أن يتوقف عند فرض تشريعات ورقابة وإنما يجب العمل على خلق النماذج التكنولوجية الوطنية، فنحن وإذ نشاهد مخاض ميلاد العالم الجديد، لن يكون فيه سيادة لأى دولة لا تملك سيادة رقمية، ونماذج تكنولوجية متفوقة ومنافسة عالمياً.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2026/07/19/1980723


لا تعليق