تاريخ النشر: 4 يونيو 2026 (جريدة البورصة)

في عالم التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي تبرز العديد من المصطلحات القانونية الجديدة، والتي تحاول أن تتواكب مع الطبيعة التقنية للتكنولوجيا وتحافظ على إطار قانوني مفهوم وقابل للتطبيق في ذات الوقت، وعادة ما تقوم الجهات التنظيمية الدولية بوضع أُطر عامة وإرشادات للجهات التنظيمية المحلية في مختلف الدول لتكون مرجع ومرشد لها عند وضع القوانين والقواعد المنظمة لتلك المستحدثات، خاصة فيما يتعلق بالمعاملات التجارية الدولية.

ومن بين تلك المصطلحات التي ظهرت هي السيطرة الرقمية والمرتبطة بمفهوم الأصول الرقمية، فإذا كان الأصل الرقمي وهو كل مادة يتم تخزينها أو إنشائها بتنسيق رقمي، وتحمل قيمة اقتصادية وقابلة للتعريف والملكية، مثل العملات الرقمية (المشفرة والمستقرة)، وكذلك رموز NFTs والتي تثبت ملكية أصل محدد سواء كان فني أو عقاري أو رقمي وغيرها من الأصول الرقمية المتاحة أو التي ستخلق لاحقاً،  فذلك يستتبع بالضرورة خلق تعريف لمفهوم الحيازة الرقمية، والحفظ الرقمي، وكيفية تداول الأصل الرقمي، وأثر الإفلاس على الأصول والمحافظ الرقمية، وتنازع القوانين وحماية حقوق المتعاملين في الأصول الرقمية وغيرها من القواعد التي تنظم المعاملات التي تجري على تلك الأصول.

ومن هنا ظهر لأول مرة مفهوم السيطرة الرقمية، والوارد ضمن مبادئ المعهد الدولي لتوحيد القانون الخاص  (UNIDROIT)  بشأن الأصول الرقمية والمعاملات المرتبطة بها، والذي يُعد أول إطار قانوني دولي لتنظيم الأصول الرقمية والمعاملات المرتبطة بها، وتمثل تلك المبادئ نموذجاً استرشادياً دولياً لكافة التشريعات المحلية الحديثة.

وفقاً للمبدأ الثاني من المبادئ والذي يعرف الأصل الرقمي بأنه سجل إلكتروني قابل لأن يكون محلاً للسيطرة، عرف المبدأ السادس السيطرة بأنها تتحقق عند توافر ثلاث قدرات أساسية معاً، وهي القدرة الحصرية على منع الاخرين من الحصول على الاستفادة الكبيرة من الأصل، والقدرة على الحصول على الاستفادة الكبيرة من الأصل، والقدرة الحصرية على نقل السيطرة إلى شخص اَخر، ويعتبر هذا المفهوم النُسخة الرقمية لمفهوم “الحيازة” في القانون التقليدي للأصول المادية، وبدون تحقق تلك القدرات الثلاث يظل الأصل الرقمي مجرد بيانات إلكترونية غير قابل للتداول القانوني الاَمن مثل ملفات الوورد والصور العادية وغيرها.

هذا التعريف للسيطرة الرقمية يمثل نقلة نوعية في القانون التجاري، نظراً لكونه يعمل على تسهيل التجارة الحدودية من خلال اليقين القانوني، ويسمح للأطراف اختيار القانون الواجب التطبيق، وكذلك حماية المشترى البرئ الذي يحصل على الأصل الرقمي بحسن نية وسيطرة فعلية يأخذه حالياً من أى مطالبات أو حقوق سابقة، كما يرتب أولويات الضمان فالدائن الذي يحصل على السيطرة على الأصل الرقمي يحظى بأولوية على الدائنين الاخرين -حتى لو سجلوا حقوقهم أولهم -، وأخيراً يعالج تعريف السيطرة حالات الإفلاس والحراسة، ففي حالة إفلاس منصة أو حارس أصول، تظل أصول العملاء محمية وغير داخلة في حصيلة الدائنين.

تمثل هذه المبادئ التي قامت بتحويل الأصول الرقمية من أصول افتراضية غامضة إلى أصول ملكية قابلة للرهن والتداول بثقة عالية، فرصة تاريخية للدول النامية في تحقيق نمو من خلال الإندماج في عالم الاقتصاد الرقمي، وتقليل الفجوة التشريعية من خلال تبني تلك المبادئ في التشريعات الوطنية، بما يمكنها من حذب الاستثمارات الرقمية والتي تدور حول الدول التي تتبني أُطر قانونية واضحة للأصول الرقمية ومفهوم السيطرة عليها، كما تعمل تلك الفرصة أيضاً على تمكين الشمول المالي عبر تطوير أنظمة CBDC أو توكنات مرتبطة بالسلع المحلية مثل الذهب أو المحاصيل الزراعية، وتعزيز المنافسة العالمية بدلاً من الاعتماد على المنصات الأجنبية الكبري، يمكن للدول النامية بناء بنى تحتية رقمية محلية مدعومة بقانون دولي مقبول.

تلك المبادئ بما حوته من مفهوم للسيطرة الرقمية ليس مجرد تفصيل تقني أو قانوني، بل هو الأساس الذي سيبنى عليه الاقتصاد الرقمي العالمي في العقود القادمة، من يمتلك السيطرة القانونية على الأصول الرقمية سيمتلك القدرة على التحكم في تدفقات القيمة الرقمية، وهنا تجد الدول النامية نفسها أمام خيار استراتيجي، إما أن تكون متلقية لقواعد الاَخرين، أو أن تصبح صانعة لمستقبلها الرقمي من خلال تطوير التشريعات الوطنية للتوافق مع المبادئ العالمية.

 

لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2026/06/04/1971735

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *