تاريخ النشر: 1 يوليو 2025 ( البورصة)
مع تنامي أهمية الاقتصاد الرقمي وانتشار المنصات والتطبيقات الإلكترونية العابرة للحدود، برزت الضرائب الرقمية كأحد المحاور الأساسية في السياسات الضريبية الحديثة، إذ تهدف إلى إخضاع إيرادات الشركات الرقمية الكبرى للضريبة في الدول التي تحقق فيها أرباحًا، حتى وإن لم يكن لهذه الشركات وجود مادي فعلي داخل تلك الدول. وتُعد هذه الضرائب أداة لتحقيق قدر من العدالة الضريبية، من خلال ضمان مساهمة الشركات التكنولوجية العملاقة في تمويل الموازنات العامة للدول التي تستفيد من أسواقها، بما يتناسب مع حجم الأرباح التي تجنيها من هذه الأسواق. كما تمثل محاولة لتجاوز التحديات التي يفرضها الطابع غير المادي والعابر للحدود للأنشطة الرقمية، وتعزيز التوازن الضريبي بين الدول في ظل تحولات الاقتصاد العالمي.
وقد شهدت السنوات الأخيرة جهودًا دولية مكثفة لتنظيم الضرائب على الاقتصاد الرقمي، كان أبرزها ما قادته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ومجموعة العشرين، حيث أُعلن في أكتوبر 2021 عن اتفاق ضريبي عالمي تاريخي، وقّعت عليه 136 دولة، يهدف إلى فرض حد أدنى عالمي لضريبة الشركات بنسبة 15%، على الشركات متعددة الجنسيات، بما في ذلك شركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل وأمازون وفيسبوك. ويقوم هذا الاتفاق على ركيزتين أساسيتين: أولهما إعادة تخصيص جزء من أرباح هذه الشركات إلى الدول التي يُستهلك فيها ما تقدمه من خدمات أو منتجات، ما يضمن حصول هذه الدول على نصيب عادل من الإيرادات الضريبية على أساس موقع المستخدمين لا مقرّ الشركة، وثانيهما فرض حد أدنى موحد للضريبة عالميًا، بما يقلل من فرص التهرب الضريبي الناتج عن نقل الأرباح إلى الملاذات الضريبية ذات المعدلات المنخفضة.
وفي السياق ذاته، طرح الاتحاد الأوروبي مقترحات لفرض ضريبة رقمية موحدة تركز على العدالة الاجتماعية وتستهدف الشركات الرقمية الكبرى، مدفوعةً بالرغبة في الحد من التهرب الضريبي ومعالجة الإشكاليات الناتجة عن طبيعة الأنشطة الرقمية التي لا تستلزم وجودًا فعليًا داخل الأسواق التي تحقق منها أرباحًا. وظهرت في هذا الإطار تطبيقات مختلفة للضرائب الرقمية، من أبرزها ضريبة الخدمات الرقمية التي تُفرض على إيرادات الأنشطة الرقمية مثل الإعلانات الإلكترونية وبيع البيانات والتجارة عبر الإنترنت، كما هو الحال في فرنسا التي تطبق ضريبة بنسبة 3% على الشركات التي تتجاوز إيراداتها 750 مليون يورو عالميًا و25 مليونًا محليًا. وتبنت دول أخرى مثل المملكة المتحدة والهند نماذج مشابهة، حيث تفرض الأولى ضريبة بنسبة 2% على إيرادات الخدمات الرقمية، بينما تفرض الثانية 6% على الإعلانات الرقمية الموجهة إلى السوق الهندي.
أما على مستوى الأفراد، فقد بدأت بعض الدول في فرض ضرائب على صناع المحتوى والمؤثرين الرقميين، حيث تصنّفهم الولايات المتحدة ضمن فئة أصحاب المهن الحرة، وتخضع أرباحهم لضريبة الدخل الفيدرالية وفقًا لشرائح تصاعدية، مع السماح بخصم النفقات التشغيلية مثل تكاليف التصوير والمعدات والبرمجيات، وقد تبنّت مصر مؤخرًا خطوات مماثلة بفرض ضريبة على أرباح صناع المحتوى وإعلانات بعض التطبيقات الإلكترونية ضمن إطار ضريبة القيمة المضافة. كما تطبق دول كثيرة ضريبة القيمة المضافة على المعاملات الرقمية، من خلال الاشتراكات في التطبيقات والخدمات الإلكترونية، فيما تظهر مقترحات جديدة تطالب بتوزيع الأرباح الضريبية بين الدول وفقًا لنسبة المستخدمين، وهو ما يتطلب تعاونًا دوليًا لتبادل المعلومات والبيانات، الأمر الذي لا يزال يصطدم بتحديات تقنية وسياسية في ظل السباق التكنولوجي العالمي.
ورغم الإضرابات الاقتصادية العالمية وارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو، فإن التجارب الرائدة في فرض الضرائب الرقمية لا تزال تتركز في الدول المتقدمة، بينما تبقى الدول النامية في موقع المتأخر في هذا المجال، إما بسبب ضعف البنية التشريعية أو غياب الإرادة السياسية الواضحة. وفي الحالة المصرية، ورغم الجهود المبذولة لتحسين كفاءة النظام الضريبي، لا تزال الرؤية الضريبية تميل إلى التركيز على القاعدة التقليدية للممولين المقيدين رسميًا، مع محاولات خجولة لضم شرائح جديدة من العاملين في الاقتصاد الرقمي، وذلك رغم الإمكانات الكبيرة المتاحة في هذا المجال، إذ تُعد مصر من أكبر الأسواق الرقمية في المنطقة، وتحتل المرتبة التاسعة عالميًا في عدد مستخدمي فيسبوك، ما يعني أن فرض ضرائب عادلة على الشركات التي تحقق أرباحًا من السوق المصري دون وجود فعلي فيه، يمكن أن يكون مصدرًا مهمًا لدعم الموازنة العامة دون المساس بالطبقات الفقيرة أو تحميل مزيد من الأعباء على دافعي الضرائب التقليديين.
وتقدّر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حجم الخسائر التي تتكبدها الحكومات الأوروبية سنويًا نتيجة التهرب الضريبي بما يتراوح بين 100 و240 مليار دولار، وهي أرقام تُشير إلى الإمكانات الكامنة التي يمكن أن تستفيد منها الدول النامية في حال تطبيق ضرائب رقمية فعالة، ليس فقط من أجل تعزيز الإيرادات، بل لتحقيق قدر أكبر من العدالة الاقتصادية، ومنع استغلال هذه الدول كسوق استهلاكي بلا مقابل. كما أن توجيه العائدات الضريبية من هذا النوع نحو تطوير البنية التحتية الرقمية والتعليم والصحة يمكن أن يسهم في تسريع التحول الرقمي، وتقليص الفجوة التكنولوجية، وجذب الاستثمارات، بما ينعكس إيجابًا على جهود التنمية المستدامة.
ومن المهم الإشارة إلى أن تطبيق الضرائب الرقمية لا يعيق الابتكار كما يُشاع، بل العكس هو الصحيح، إذ إن هذه الشركات تدفع ضرائب في دولها الأم، بينما تستفيد من المستخدمين والأسواق في دول أخرى دون أي مساهمة مقابلة. كما أن تمكين الدول الفقيرة من تحصيل حصتها العادلة من الأرباح الرقمية يمكن أن يسهم في تمويل البرامج التنموية ومكافحة الفقر، وخلق بيئة أكثر عدالة تحفّز على الإبداع وتوسع قاعدة المستفيدين من الاقتصاد الرقمي. وبذلك، فإن الضرائب الرقمية لا تمثل مجرد أداة مالية لزيادة الإيرادات، بل تُعد رافعة تنموية وأداة لتحقيق العدالة الضريبية في عصر رقمي متسارع، ويعتمد نجاحها على مدى قدرة الدول، خاصة النامية، على تطوير منظومات تشريعية فعالة، والانخراط في تعاون دولي متوازن، وتوجيه العائدات نحو تنمية شاملة ومستدامة.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/07/01/1898339


لا تعليق