تاريخ النشر: 11 أكتوبر 2024 ( البورصة )
إن الهدف الرئيسي لبرامج الدعم الاجتماعي لا يقتصر على توفير الدعم المالي للأفراد والأسر التي تواجه مخاطر اقتصادية أو اجتماعية، مثل البطالة، الفقر، وإنما هي مساعدات بهدف توفير متطلبات الحياة الأساسية لتمكينهم من الأرتقاء المجتمعي وتنمية قدراتهم وصولاً إلى تخارجهم من هذه المنظومة وعدم استحقاقهم للدعم، وذلك من خلال برامج متكاملة لا تتعلق بالدعم السلعي فقط، وإنما عبر سلسلة متكاملة تعمل على توفير الخدمات التعليمية والصحية، وفرص العمل.
وهو الأمر الذي يتعارض مع نتائج برامج الدعم الاجتماعي في مصر، فعلى مدار سنوات طويلة اعتمدت مصر على تقديم الدعم العيني للمواطنين، متمثلاً في دعم غذائي من خلال بطاقات التموين التي كانت تضم سلع (الأرز، السكر، الزيت، المكرونة، مسلى نباتي، العدس، الفول) بالإضافة إلى الخبز البلدي، والحقيقة أن هذه السلة الغذائية التي ظلت لعقود طويلة أساس غذاء المصريين، والتي تُسبب أمراض السكر، الضغط، القلب، السمنة، القلب..الخ، بما يساهم في زيادة الإنفاق على الصحة والتأثير سلبياً على سوق العمل، وغيرها من الأمور التي تؤثر بشكل عام على الصحة العامة للمجتمع وقدراته وإنتاجه.
بالإضافة إلى سوء التغذية التي يفرضها الدعم العيني الغذائي، فهو أيضاً لا يصل بشكل كامل إلى مستحقيه، نتيجة التخصيص الرأسي للدعم، فالحكومة تقوم بتحديد قيمة الدعم في مشروع الموازنة السنوية، موزع على قطاعات مثل السلع، النقل، الوقود، ..الخ، ونتيجة لهذا التخصيص الرأسي فيتم هدر وتسرب الدعم من خلال دوائر الفساد المحيطة به والتي تتكاثر وتنمو حول برامج الدعم العيني بسبب توافر سلع حكومية بأسعار مخفضة، وسلع السوق الحر، ليتم بيع الأولي بأسعار الثانية ولا تصل للمستحقين.
بالإضافة إلى تسرب الدعم إلى غير المستحقين مثل دعم النقل، والذي يوجه رأساً إلى هيئة النقل العام بالقاهرة الكبرى، هيئة سكك حديد مصر، مترو الأنفاق، وذلك مقابل فارق السعر والذي يكون أقل من التكلفة الحقيقية، وهو ما يعني أن غالبية مستحقي الدعم والذي يقطنون في الدلتا والصعيد والمحافظات الحدودية لا يستفيدون من هذا الدعم، على الرغم من أنهم نظرياً يتمتعون به، وأخيراً إن تشوهات الأسعار وإرباك السوق التي يخلقها وجود سعرين لذات السلعة أو الخدمة ليس من شأنه تعزيز عمليات التنمية أو تشجيع الاستثمارات أو الحفاظ على السوق بشكل عام، وهو ما شاهدناه خلال الأزمات الاقتصادية التي صاحبها إختفاء لبعض السلع وتخزينها وإحتكار للإنتاج.
أن منظومة الدعم العيني بشكلها التقليدي تُورث الفقر وتزيد معدلاته، وتعرقل عمليات التنمية، ويتكاثر حولها الفساد في كافة مراحلها. والحديث هنا ليس عن حق المواطنين المستحقين للدعم في الحصول عليه، ذلك أنه حقهم الدستوري والمجتمعي وليس منحة أو تفضل من أحد، ولكن الحديث حول التضامن الاجتماعي بشكل عام وكيفية تصميم برامج دعم إجتماعي تصل إلى المستحق، وتحقق أهدافها في منح المواطن مزيد من الخيارات وحرية في الاستهلاك تُمكنه من تحديد إحتياجاته وتُخرجه من دائرة الفقر، ولا سبيل لتحقيق تلك الأهداف إلا عن طريق خلق وتصميم برامج دعم إجتماعي تعمل من خلال اَلية الدعم النقدي، وتوفر لصاحبها حرية الاستهلاك، فضلاً عن زيادة الاستثمارات وفرص العمل وتعزيز المنافسة من خلال زيادة الطلب نتيجة توقف السلع الحكومية (منخفضة الجودة).
وعلى الرغم من نجاح التجارب الدولية التي تبنت اَلية الدعم النقدي، مثل برنامج (بُولسا فاميليا) في البرازيل، وبرنامج (بروسابيرا) في المكسيك وكلاهما يتشابها مع برنامج (تكافل) كونهما برامج مشروطة، بالإضافة إلى تجارب كينيا والهند، وفنلندا وإيران والولايات المتحدة الأمريكية (TANF)، وعلى الرغم من أننا تحولنا إلى اَلية الدعم (شبه العيني) منذ سنوات إذ يتم تحديد نصيب الفرد بمبلغ مالي وليس بكميات من السلع، إلا أننا لدينا مخاوف ومعوقات وأسئلة تتعلق بمعيار تحديد (المستحق)، واَلية تحديد قيمة أو مبلغ الدعم؟ وهل يتساوى مبلغ الدعم لكافة الأفراد المستحقين أم أنه سيختلف وفق ظروف كل فرد واحتياجاته؟ ومن سيقوم بتحصيل قيمة الدعم المخصص للأطفال الأب أم الأم خاصة في ظل حالات الخلافات أو الإنفصال؟ وما مصير شركات إنتاج السلع الحكومية؟ وماهي البنوك التي سيتم صرف الدعم من خلالها؟ وكيفية اختيارها؟ وكيف سيتم تعزيز مراقبة الأسواق وحماية المنافسة والمستهلك في ظل زيادة الطلب المتوقع حدوثها؟ كما أنه من الناحية التشريعية نرى أهمية توحيد برامج الدعم تحت قانون التضامن الاجتماعي، مع إصلاح الجهات الإدارية ليتم دمج وزارات التموين والعمل تحت وزارة التضامن الاجتماعي وتحديد الجهة الإدارية المعنية بإدارة ملف الدعم النقدي وكيفية إداراتها وطرق التظلم من قرارتها، مع ضرورة إصلاح المالية العامة من خلال معالجة بنود الموازنة ليكون الدعم النقدي ليس بديل عن السلعي فقط وإنما شامل للخدمات أيضاً وهو ما نأمل في تحقيقه مع البدء في تطبيق موازنة البرامج والأداء.
إن التضامن الاجتماعي أحد الأركان الرئيسية للعقد الاجتماعي، الأمر الذي يفرض علينا التريث ونحن بصدد إعادة هيكلة نظام الدعم الإجتماعي، وأن نخوض معاً حواراً مجتمعياً يشمل المواطنين أنفسهم دون الأكتفاء بممثليهم، وهو ما يمكن أن يقوم به الحوار الوطني من خلال جلسات يتم إطلاقها وانعقادها في مختلف المحافظات لتشمل كافة القطاعات الجغرافية، بهدف الوصول إلى برنامج دعم إجتماعي مقبول فنياً وقابل للتطبيق عملياً وبرضا شعبي نسبياً.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2024/10/11/1833316


لا تعليق