تاريخ النشر: 4 مارس 2025 (تنسيقية شباب الأحزاب والسياسييين)
يبدو أن شهر فبراير قد تحول إلى نقطة محورية في مسار تطور الذكاء الاصطناعي خاصة في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا، حيث شهد انعقاد ثلاثة مؤتمرات دولية كبرى، اجتمع خلالها قادة التكنولوجيا من المبدعين والمستثمرون، وصناع القرار لمناقشة مستقبل هذه التقنية التي تعيد تشكيل الاقتصاد والسياسة والمجتمع. لم يكن الأمر مجرد حوارات نظرية أو استعراض لإنجازات تقنية، بل كان ساحة لإعلانات ضخمة عن استثمارات بمليارات الدولارات، وتوقيع اتفاقيات تعاون بين الدول لتعزيز الابتكار وتطوير بنية تحتية رقمية أكثر كفاءة، بالإضافة إلى طرح العديد من المناقشات حول أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وتنظيمه. فبينما تتسابق الشركات والحكومات نحو تحقيق أقصى استفادة من هذه التقنية، يزداد القلق حول المخاطر المحتملة، من تحيز الخوارزميات إلى تهديدات الأمن القومي وحقوق الأفراد، بالإضافة إلى بحث أوروبا ودول الشرق الأوسط عن مقعد على خريطة الذكاء الاصطناعي الدولية وكسر حالة الإحتكار التى تتمتع بها الصين والولايات المتحدة.
أنطلقت أولي الفعاليات الدولية هذا الشهر في الإمارات العربية والتي أستضافت “معرض عالم الذكاء الاصطناعي 2025 ” بتنظيم كلاً من شركة كون العالمية بالتعاون مع جيتكس جلوبال، وحضور أكثر من 500 شركة و150 مستثمر وأبرز خبراء الذكاء الاصطناعي وقادة الفكر والمبتكرين المؤسسيين في العالم لاكتشاف أكثر حالات الاستخدام العملية التحويلية، ومعالجة تحديات تسويق الذكاء الاصطناعي، وإقامة شراكات جديدة، وتسريع الابتكار عبر القارات، وتشكيل مستقبل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتضمنت الفعاليات جلسات نقاشية حول اَليات تسريع الابتكار في الذكاء الاصطناعي، وأهمية التنظيم في هذا المجال ووضع لوائح صارمة لصناعة الذكاء الاصطناعي لضمان استخدامها المسؤول. والتى أنتهت إلى ضرورة الاستثمار في التعليم والتدريب لتأهيل الكوادر البشرية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، بما يتوافق مع احتياجات سوق العمل المستقبلية.
كما استضافت الرياض “مؤتمر ليب 2025 ” بتنظيم من وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات والاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز وشركة (تحالف) المشروع المشترك بين الاتحاد وشركة (إنفورما) العالمية وصندوق الفعاليات الاستثماري. وقد تميزت قمة “ليب 2025” بعرض عدد من التقنيات الحديثة لإستخدامات الذكاء الاصطناعي مثل تقنية توصيل الأدوية (Terra Drone) والتى تساعد في نقل الإمدادات الطبية إلى المناطق النائية والوعرة عن طريق الجو، كما تم عرض جهاز (SARA)الذكي من أرامكو السعودية، وهو عبارة عن نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات المتقدمة لدعم العمليات الصناعية وتحسين الأداء، وغيرها من التقنيات الحديثة والتى تم الإعلان عنها لأول مرة. وأختتمت فعاليات “ليب 2025” بالإعلان عن عدد من الاستثمارات في مجال الذكاء الاصطناعي والتي تتجاوز قيمتها 14.9 مليار دولار.
وأخيراً استضافت العاصمة الفرنسية باريس “قمة العمل في مجال الذكاء الاصطناعي”، بمشاركة رؤساء دول وحكومات، ومسؤولين تنفيذيين من شركات تقنية رائدة، بالإضافة إلى خبراء وباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي. من بين الحضور البارزين، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ونائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، والرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان. كما شاركت وفود من حوالي 100 دولة، مما يعكس الاهتمام العالمي المتزايد بتقنيات الذكاء الاصطناعي.
وقد ركزت القمة على عدة محاور رئيسية تتعلق بمناقشة الأطر القانونية والأخلاقية لتطوير واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، مع التركيز على تحقيق توازن بين الابتكار وحماية الحقوق الفردية وهو الذى أثار خلاف حول التوقيع على البيان الختامي للقمة، حيث رفضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة التوقيع على البيان الختامي لقمة باريس للذكاء الاصطناعي، الذي دعت فيه 61 دولة إلى جعل الذكاء الاصطناعي “مفتوحًا، أخلاقيًا، خاضعًا للحوكمة الدولية، ومستدامًا، وفي حين برر نائب الرئيس الأمريكي رفضه من منطلق أن “التنظيم المفرط” قد يعيق الإبتكار في قطاع الذكاء الاصطناعي، وفي المقابل أعربت الممكلة المتحدة عن قلقها بشأن غموض البيان فيما يتعلق بالحوكمة العالمية والأمن القومي، مشيرة إلى ضرورة وضوح هذه الجوانب في أي اتفاقيات مستقبلية.
بالإضافة إلى ما سبق فقد بحثت القمة سبل تطوير تقنيات ذكاء اصطناعي صديقة للبيئة، وتقليل البصمة الكربونية لمراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بها، بالإضافة إلى تعزيز الشراكات بين الدول والمؤسسات لتبادل المعرفة والخبرات في مجال الذكاء الاصطناعي، ومناقشة التحديات الأمنية المرتبطة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، وسبل حماية البيانات والمعلومات الحساسة من الاختراقات والهجمات الإلكترونية. وخلال القمة أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن التزامات استثمارية بقيمة 109 مليارات يورو لتعزيز قطاع الذكاء الاصطناعي في فرنسا، والتي من شأنها تطوير البنية التحتية السحابية في فرنسا وبناء مراكز بيانات في باريس ومارسيليا، ومشروع إطلاق أكبر حاسوب فائق للذكاء الاصطناعي في أوروبا.
كما شهد فبراير أيضاً توقيع فرنسا اتفاق إطاري مع الإمارات العربية للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، بموجبه ستستثمر الإمارات ما قيمته من 30 إلى 50 مليار يورو في إنشاء مجمع للذكاء الإصطناعي داخل فرنسا مع مركز معلومات عملاق، بالإضافة إلى شراء الرقائق المتطورة، وتنمية المواهب.
على الرغم من الدور الريادي الذى تلعبه أوروبا في تنظيم وتشريع استخدامات الذكاء الاصطناعي، حيث تتبنى نهجًا متوازنًا بين دعم الابتكار وحماية الحقوق الأساسية، كما أن الأتحاد الأوروبي هو أول جهة تشريعية كبرى تضع قانونًا شاملاً لتنظيم الذكاء الاصطناعي، وهو “قانون الذكاء الاصطناعي(AI Act) “، بالإضافة إلى “اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) ” والتي تعد حجر الأساس في حماية خصوصية الأفراد عند استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ تفرض قيودًا على معالجة البيانات الشخصية بواسطة الأنظمة الذكية، خصوصًا فيما يتعلق بالموافقة والحق في تفسير القرارات الآلية، فضلاً عن استراتيجية الذكاء الاصطناعي الأوروبية، والميثاق الأوروبي للذكاء الاصطناعي. إلا أن تلك الريادة التشريعية والتنظيمية والتى أستطاعت الدول الأوروبية فرضها على الشركات لتجنب حظرها داخل الدول الأوروبية، لا تكفي لخلق مركز لها داخل سوق وسباق الذكاء الاصطناعي، والمعني بالعمليات التشغيلية والبنية التحتية وحجم الإستثمارات وعدد التطبيقات والنماذج الأوروبية المستخدمة حول العالم، حيث تشير التقارير إلى أن نسبة استثمارات الاتحاد الأوروبي من إجمالي الاستثمارات العالمية في برمجيات الذكاء الإصطناعي والتي لا تتجاوز نسبة 7%، مقارنة بـ71% من الولايات المتحدة، و15% من الصين، وهو ما يفرض على أوروبا ضرورة تعظيم جهودها لحجز مقعد تشغيلي دولي لها، يعمل على كسر حالة الثنائية القطبية في هذا المجال، وهوما يمكن أن يتم بالمشاركة مع دول الشرق الأوسط من خلال صناديق استثمار الذكاء الاصطناعي بهدف دعم الابتكارات والمواهب، وإنشاء مراكز البيانات وتوسيع الإستخدامات ونقل الخبرات، وهو ما سيمكن التحالف العربي الأوروبي من اللحاق بسباق الذكاء الاصطناعي العالمي.


لا تعليق