تاريخ النشر: 11 ديسمبر 2025 ( البورصة) 

بعد تعطل اتفاقيات مصر مع صندوق النقد الدولي في عامي 1977 و1978، قامت مصر بتوقيع أول اتفاق ناجح فعلياً لها منذ عشر سنوات مع صندوق النقد الدولي، وهو الأتفاق الذي جرى في 15 مايو 1987 وبموجبه حصلت مصر على تسهيل قدره (250 مليون وحدة سحب خاصة) بما يعادل 328 مليون دولار، وذلك بموجب “إتفاق مساندة” مدته ثمانية عشر شهراً، لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي، ولقد تميز هذا الأتفاق في أنه وبعد توقيعه بأسابيع حصلت مصر على شهادة براءة ذمة (clearance) من صندوق النقد، بموجبه تم التوقيع على اتفاقيتين مع نادي باريس لإعادة جدولة حوالي 14 مليار دولار من الديون الحكومية والمضمونة حكومياً على 10-15 سنة مع فترات سماح، والحصول على 500 مليون دولار من البنك الدولي في صورة قرضاً سريع التدفق، بالإضافة إلى حزم تمويل مشترك (co-financing) من دول أوروبية (خاصة فرنسا وألمانيا وإيطاليا) بقيمة إجمالية تجاوزت 700 مليون دولار. في المقابل التزمت مصر بعدد من الإصلاحات مثل، توحيد سعر الصرف تدريجيًا وتخفيض قيمة الجنيه بنسبة كبيرة (من 0.70 إلى 1.40 ثم إلى 2.15 جنيه للدولار بحلول 1990)، ورفع أسعار الفائدة لتصبح إيجابية حقيقية، مع العمل على تقليص العجز الموازني من 20% إلى حوالي 8% من الناتج المحلي بحلول 1990، وتحرير التجارة الخارجية جزئياً، كما كان هذا الأتفاق نقطة البداية لخصخصة بعض الشركات العامة بموجب القانون 203 لسنة 1991 والذي كان امتدادًا لهذا البرنامج، الحقيقة أن هذا البرنامج لم يساعد مصر فقط في تجاوز أزمتها الأقتصادية، وإنما أيضاً كان نقطة تحول حقيقية في علاقة مصر بالمؤسسات المالية الدولية، لأنه أخرج مصر من دائرة الدولة المعسرة وأعادها إلى سوق الائتمان الدولي.

في مايو 1991 تم الاتفاق السادس بين مصر وصندوق النقد الدولي على “اتفاق مساندة” بموجبه يتم تمويل مصر بما قيمته (60% من حصتها 184.8 مليون SDR) من أجل تدعيم التكيف الهيكلي من البنك الدولي، وقد قاد هذا الأتفاق إلى الوصول إلى الأتفاق السابع “اتفاق التسهيل الممتد” والذي تم في 11 أكتوبر من ذات العام 1991 لمدة ثلاث سنوات، بموجبه حصلت مصر 400 مليون SDR بما يعادل 147% من حصتها، ليشكل إجمالي الأتفاقان 772 مليون دولار بما يعادل 207% من حصة مصر بالصندوق.

والحقيقة أن هذا الأتفاقان مثلا التحول البنيوي في علاقة مصر بصندوق النقد، حيث انتقلت من تثبيت مالي قصير الأجل إلى برنامج إعادة هيكلة شاملة أعاد تعريف دور الدولة، وسوق العمل، ونظام الدعم، مقابل إعفاء واسع من الديون الخارجية ضمن إطار مشروط صارم، حيث ولأول مرة يتم فيها ربط الديون بالإصلاح الهيكلي وبإعادة تشكيل الدولة نفسها والتحول من اقتصاد اشتراكي إلى اقتصاد سوق مفتوح، حيث أصبح كلاً من (البنك الدولي – نادي باريس – المانحون) مربوطة بتنفيذ شروط الصندوق. وبموجب هذا الأتفاق والذي يُعد ضمن أنجح برامج صندوق النقد الدولي من حيث الأنضباط والأمتثال وتحقيق الأستقرار الكلي، مثل البرنامج المرجعي للصندوق تشيلي (1975-1989)، وبرنامج كوريا الجنوبية (1997-2001)، وبرنامج تركيا (2001-2005).

فبموجب هذا الأتفاقان وبالتعاون مع أعضاء نادي باريس تم إلغاء حوالي 50% من الدين العسكري والمدني لأعضاء نادي باريس (أكثر من 20 مليار دولار تم شطبهم أو تخفيضهم فعلياً) كمكافأة على الالتزام بالإصلاحات، وخاصة بعد حرب الخليج الثانية (دعم مصر للتحالف)، و قد اقترن هذا بإجراء مصر العديد من التصحيحات الهيكلية في الاقتصاد المصري من خلال إلغاء أو تخفيض دعم السلع التموينية، إلغاء سياسات تعيين الخريجين حتي يمكن إعادة سوق العمل لعلاقات العرض والطلب، الإسراع في عمليات الخصخصة لرفع العبء عن الموازنة العامة للدولة، رفع أسعار الضرائب غير المباشرة، رفع الدعم عن الطاقة، ، زيادة أسعار الخدمات العامة مثل النقل والمواصلات والاتصالات وخدمات التعليم والصحة، ومساندة القطاع الخاص، بالإضافة إلى توحيد سعر الصرف.

وفي أكتوبر 1996 أبرمت مصر الأتفاق الثامن لها مع الصندوق وهو اتفاق التسهيل الممدد، لمدة ثلاث سنوات (أكتوبر 1996 – سبتمبر 1999)، بقيمة 400 مليون وحدة سحب SDR ما يعادل 554 مليون دولار، والذي يُعد الخاتمة الذهبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الكبير الذي بدأ في 1991، بموجب هذا الأتفاق نفذت مصر تحرير كامل ونهائي لسعر الصرف في أكتوبر 1996 مع تحرير أسعار الفائدة، وإلغاء الإقراض الموجه، وبدء إعادة هيكلة البنوك، مع تسريع برنامج بيع الشركات العامة حيث تم بيع أكثر من مئة شركة كبرى خلال ثلاث سنوات، كما تم إدخال ضريبة المبيعات بنسبة 10%، مع رفع تدريجي لدعم الطاقة والكهرباء والمشتقات البترولية، بالإضافة إلى خفض التعريفة الجمركية من متوسط 35% إلى 22%، إلغاء معظم الرسوم الإضافية، وتشريعياً أصدرت مصر قانون العمل الموحد رقم 137 لسنة 1997 لخلق مرونة في التوظيف والإنهاء، وتم إصدار قانون الأستثمار رقم 8 لسنة 1997 والذي بموجبه منح إعفاءات ضريبية من 5 إلى 10 سنوات للمشروعات الجديدة.

هذا الأتفاق نتج عنه ارتفاع معدل نمو الناتج المحلي من 4.8% إلى 6.1%، كما أرتفع الأحتياطي النقدي من 16 مليار دولار إلى 21 مليار دولار، وأنخفض معدل التضخم من 9.5% إلى 3.8%، والعجز المالي إلى الناتج من -2.5% إلى -0.9%، بالأضافة إلى تضاعف تدفقات الأستثمار الأجنبي المباشر من 600 مليون دولار إلى 1.2 مليار دولار.

وفي تقريره الختامي ذكر الصندوق حرفياً “لقد نجحت مصر في إتمام واحد من أكثر برامج الإصلاح شمولاً واستدامة التي يدعمها صندوق النقد الدولي في أي دولة نامية خلال تسعينيات القرن العشرين”، حيث كان الأتفاق الوحيد في تاريخ مصر الذي نجح 100% دون أي انحراف أو إلغاء أو اضطرابات شعبية، و كان السبب الرئيسي في الازدهار الاقتصادي المصري أواخر التسعينيات الذي كان يُسمى «المعجزة المصرية» في ذلك الوقت، كما يُعد اخر قرض حصلت عليه مصر لمدة 17 عام وحتي الأتفاق التاسع في مايو 2010 والذى ألغي، وصولاً إلى الأتفاق العاشر في عام 2016 وهو ما سنستكمله في المقال القادم.

لينك النشر: https://www.alborsaanews.com/2025/12/11/1935274 

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *