تاريخ النشر: 27 مايو 2025 (البورصة)
يسود انطباع لدى البعض أن المصريين “يكرهون” الاستثمار، أو على الأقل لا يثقون فيه، ويتجسد ذلك في ردود الأفعال السلبية المتكررة تجاه بيع أصول الدولة أو دخول مستثمرين أجانب في مشروعات كبرى، حيث يُنظر إليها غالبًا باعتبارها “تفريطًا” أو “بيعًا لممتلكات الشعب”.
هذا الإنطباع لا يأتي من فراغ، بل يرتبط بمجموعة من العوامل الثقافية والاجتماعية والتاريخية المتشابكة، فقد شهدت مصر تقلبات اقتصادية واجتماعية أثرت على نظرة المواطنين تجاه الاستثمار ورسخت نوع من التشويش في رؤية المصريون للإستثمار ولكيفية الترقي الإجتماعي. ففي الثلاثينينات والأربعينيات شهدت مصر صحوة وطنية صاحبها بناء لأقتصاد وطني على يد طلعت حرب وغيره من رجال الأعمال الذين رسخوا “للرأسمالية الوطنية” من خلال بناء العديد من الشركات والمصانع الوطنية، والتي لاحقها التأميم في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، حينما تبنت مصر سياسات اشتراكية بقيادة جمال عبد الناصر، حيث تم تأميم العديد من الشركات والمؤسسات الخاصة. هذه السياسات، رغم أنها هدفت إلى تحقيق العدالة الاجتماعية – لم تتحقق-، أدت إلى تقليص دور القطاع الخاص وزرعت نوعًا من عدم الثقة في الاستثمار الفردي، حيث أصبحت الدولة هي المحرك الرئيسي للاقتصاد.
ومنذ انتقال مصر إلى سياسات الانفتاح الاقتصادي في عهد أنور السادات في السبعينيات، بدأت الفرص الاستثمارية تظهر مجددًا. ومع ذلك، كانت هذه الفترة مصحوبة كسائر التجارب الدولية المماثلة، بتحديات مثل الفساد والبيروقراطية، مما شكل صورة سيئة للإستثمار، وهو ما دفع الكثير من المصريين لتفضيل الاحتفاظ بمدخراتهم في أوعية آمنة مثل الودائع البنكية أو العقارات أو الذهب، أو استثمارها بشكل غير قانوني مع أفراد أو شركات توظيف الأموال “المستريح”. بالإضافة إلى تعمد بعض التيارات السياسية تشويه الإستثمار والمستثمرين، وقد ساعدهم في ذلك الأنتاج الإعلامي والثقافي الذى ساد في الثمانينيات والتسعينات، فكثيراً ما ارتبطت كلمات مثل “الخصخصة” و”البيع” بخطاب تحذيري في الإعلام والسياسة، خاصة بعد تجارب الخصخصة في التسعينيات التي شابتها شبهات فساد وتصفية شركات ناجحة بأسعار بخسة، مما عزز من عدم الثقة في نوايا الاستثمار. وأيضاً التجارب السلبية لبعض المستثمرين حيث شهدت السوق المصرية في حالات عديدة، دخول مستثمرون ثم انسحبوا سريعًا بعد تحقيق مكاسب، أو تركوا خلفهم عمالاً بلا حقوق، مما كرّس صورة نمطية عن المستثمر كـمستغل أو “انتهازي”، وليس شريكًا في التنمية، وأن “الملكية العامة” هي الأفضل، وأن القطاع الخاص يمثل تهديدًا أو استغلالًا.
وفي السنوات الماضية وعلى الرغم من الإصلاحات الاقتصادية مثل تحرير سعر الصرف عام 2016 وتحديث التشريعات لتشجيع الاستثمار، والجهود الحكومية المبذولة لجذب الإستثمارات ظل هناك تردد بين الأفراد بسبب تقلبات السوق وانخفاض قيمة العملة. وتشكلت حالة من الخوف من فقدان السيطرة، حيث يرى البعض أن بيع أصول أو السماح باستثمارات أجنبية في قطاعات استراتيجية يُضعف من السيادة الاقتصادية، خاصة في ظل أزمة الدولار وارتفاع الدين الخارجي، وهي الحالة الناتجة عن ضعف الثقافة المالية، حيث لا تزال مفاهيم مثل “عائد الاستثمار”، و”رأس المال الإنتاجي”، و”الدورة الاقتصادية” غائبة عن وعي فئة كبيرة من المواطنين، ما يجعل من السهل أن يتحول أي نشاط استثماري إلى مادة للريبة. ولا يمكن أن ننكر أن الضغوط المعيشية التي يواجها المواطن والصعوبات الأقتصادية تجعل من الصعب أن يرى جدوى مباشرة من أي استثمار كبيرفي الوقت الحالي، بل يربطه أحيانًا بغلاء الأسعار أو تقليص الدعم، فينقلب على الفكرة ذاتها.
ورغم كل ما سبق، فإن هناك مؤشرات على وجود حراك استثماري متزايد، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد، حيث أطلقت الحكومة المصرية في السنوات الأخيرة عددًا من المشروعات القومية الكبرى والمناطق الصناعية بشراكات مع مستثمرين محليين وأجانب.كما ارتفع عدد الشركات الناشئة في مصر، خاصة في مجالات التكنولوجيا المالية والتعليم الرقمي، ووصل حجم الاستثمارات في الشركات الناشئة إلى أكثر من 500 مليون دولار في عام 2023، مما يجعل مصر من أبرز وجهات الاستثمار في إفريقيا. فضلاً عن ظهور طبقة جديدة من المستثمرين الأفراد في البورصة والعقارات والعملات الرقمية، ما يعكس تحولًا نسبيًا في الثقافة الاستثمارية، خاصة بين الشباب.
عند مقارنة الحالة المصرية بتجارب دولية مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية والصين، وأقليمياً بدول مثل الإمارات أو السعودية، نلاحظ أن هناك ثقافة أكثر انفتاحًا وتقبلاً للاستثمار، نتيجة سياسات واضحة لتحفيز رؤوس الأموال، وتواصل أفضل بين الدولة والمواطن في شرح الأهداف والمكاسب. كما أن الخطاب العام في تلك الدول يدعم الاستثمار كركيزة للتنمية وليس كتهديد للهوية الوطنية. هذه التجارب تُظهر أن الثقافة الاستثمارية يمكن أن تُبنى من خلال استقرار سياسي واقتصادي، وهو ما ينقص مصر نسبيًا.
لا يمكن القول إن المصريين “يكرهون” الاستثمار، بل إن الموقف الراهن هو نتاج تراكمي من الشكوك والخبرات السلبية، في مقابل جهود واضحة لتغيير هذا الانطباع وبناء بيئة أكثر دعمًا للاستثمار. المطلوب اليوم ليس فقط تحسين مناخ الاستثمار، بل العمل على إعادة بناء الثقة الشعبية عبر الشفافية، وتقديم نماذج ناجحة يشعر المواطن بثمارها، ومواجهة الخطابات الشعبوية التي تخلط بين الاستثمار والبيع. فقط حين يرى الناس أن الاستثمار لا يعني التفريط، بل الشراكة في البناء، ستتغير الصورة، وهو ما يمكن تحقيقه من خلال العمل على نشر الثقافة الإستثمارية وإتاحة الأدوات الإستثمارية لكافة الأفراد، وعرض لحجم ودور القطاع الخاص في التنمية في مصر، وعدد الوظائف التي يوفرها، والمساهمات المجتمعية التي تقوم بها تلك الشركات في تحسين جودة حياة الأفراد، وقد يكون إعلان مؤشر نصف سنوي من قبل وزارتي الإستثمار والتضامن الإجتماعي لتلك المساهمات يكون له تأثير إيجابي في تحسين صورة الإستثمار لدى الأفراد.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/05/27/1891291


لا تعليق