تاريخ النشر: 4 سبتمبر 2024 ( البورصة)
كثيراً ما تتحدث الحكومة عن ارتفاع نسبة النمو الاقتصادي، وتحسن مؤشرات الأقتصاد، وفي المقابل يتساءل المواطن عن أثر ذلك على حياته اليومية، وكيف يمكن أن يكون هناك نمو ولا يشعر به؟، والفارق بين حديث الحكومة وتعجب المواطن، هو الفارق بين النمو والتنمية الاقتصادية، فالنمو يُحدث زيادة في مستوى الإنتاج أو زيادة الناتج المحلي الإجمالي ودون النظر إلى كيفية توزيع تلك الزيادة أو توزيع الدخل الحقيقي بين الأفراد، في حين أن التنمية الاقتصادية تُركز على تعديل هيكل الاقتصاد بما ينعكس على التغير في عملية توزيع الدخول، وبمعني أبسط النمو هو الإنتقال إلى عمارة سكنية بدلاً من الشقة، والتنمية هي كيفية توزيع الشقق والغرف داخل العمارة على السكان.
وهو ما يعني أن تحقيق النمو لا يُمثل تنمية، بينما تحقيق التنمية يتطلب تحقيق نمو، وهي إشكالية في غاية الأهمية حيث إن عملية التنمية تتطلب تدفقات نقدية مستدامة، وللوصول إلى تلك الإستدامة أو الحفاظ عليها وزيادتها، يجدر بنا توجيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية نحو مفهوم اخر وهو التنمية البشرية، والتي تهتم “بتكوين وتعزيز القدرات للأفراد، من خلال تخفيض نسب الفقر ومعدلات نمو السكان، وتوفير الخدمات التعليمية والصحية بجودة عالية وسعر مناسب، والحفاظ على البيئة ومراعاه تأثير الأنشطة الاقتصادية عليها، وضمان حرية الرأي والتعبير، والتمكين السياسي، وتحقيق الرفاهية للأجيال الحالية والمستقبلية.
وعليه فإن التنمية البشرية تُلخص مقاصد الحياة وأهداف الأفراد والشعوب والغاية من تكوين الدول، حيث تعمل على توسيع خيارات الأفراد وحرياتهم في اتخاذ قرارات العمل والإنتاج والإستهلاك والأدخار، وفي المقابل هؤلاء الأفراد يعملون على زيادة الدخل واستمرار معدلات النمو، ويمكن القول بأن الهدف الرئيسي لأى حكومة ممثلة عن شعبها هو تحقيق تلك الأهداف، فإذا كان تراكم الثروة يحقق الرفاهة الاقتصادية، فإن توسيع الخيارات أشمل من ذلك، فلا يوجد دليل مؤكد على أن الثروة تساعد على توسيع الخيارات أمام الأفراد، فالعبرة بإستخدامات الثروة وليست مجرد تراكمها، أو كما يقول أرسطو ” أن الثروة لا تمثل الخير الذي نسعي إلي تحقيقه، فهي مجرد شيء مفيد للوصول إلى شيء اَخر”.
إن ثروة الدول والمجتمعات الحقيقية هي أفراده، وعليه فيجب استخدام الثروات المادية في تحقيق مصالح هؤلاء الأفراد وإشباع احتياجاتهم، كما يجب أن يُقاس أداء الحكومات بمدى النجاح أو الفشل في تمكين مواطنيها من الوصول إلى “حياة مزدهرة”، فهناك العديد من الدول صاحبة أعلى نصيب للفرد من الناتج المحلي، ويقابله انخفاض في مؤشرات التنمية البشرية، والعكس صحيح.
وعلى الرغم من تقدم مصر في مؤشر التنمية البشرية خلال العامين الماضيين إلى المركز 105 من أصل 193 دولة، الأمر الذي يعكس الجهود الحكومية المبذولة لتقليص الفجوة التنموية ومن بينها المبادرات الرئاسية المتعلقة بالصحة وغيرها، حيث يعتمد المؤشر الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة على ثلاثة جوانب، طول الحياة مع الصحة الجيدة، ودخل الفرد ومستوي المعيشة، ومعدل الأمية ومستوي المعرفة، إلا أننا بحاجة لمضاعفة تلك الجهود واستدامتها من خلال الوزارات المعنية إعتمادً على استراتيجيات وخطط تنفيذية زمنية، خاصة في ظل حالة عدم الأستقرار الدولية والأقليمية التي نواجهها، والتي أدت إلى زيادة الأعباء الاقتصادية وزيادة السكان بما يشكل ضغط على الموارد المتاحة “والمحدودة” قبلاً.
وهو ما يعني أننا بحاجة وبشكل مبدئي إلى تعديل الخطط والإستراتيجيات الحكومية المتعلقة بالخدمات التعليمية والصحية المقدمة للأفراد بما يعمل على ضمان وصول تلك الخدمات لكافة الأفراد وبجودة مُناسبة، بالإضافة إلى ضرورة وضع هدف عام للبرامج الحكومية تحت عنوان “المساواة في إتاحة الفرص وتوسيع الخيارات أمام كافة أفراد المجتمع” خاصة فيما يتعلق بالتمكين الاقتصادي وعدم التمييز، والحق في التعليم والتمتع برعاية صحية جيدة.
وعلى الرغم من تأخر الخطوات وبطئها إلا أنها أفضل من الغياب، فقد جاءت الحكومة الجديدة ولأول مرة بمجموعة وزارية ونائب رئيس وزراء للتنمية البشرية، وهو أمر مستحدث على الملفات الحكومية، كما أن برنامج عمل الحكومة الصادر في يوليو الماضي، تضمن محور “بناء الإنسان المصري وتعزيز رفاهيته”، والذي يشتمل على ملفات الأرتقاء بالتعليم وجودته وتعديل المناهج لتتناسب مع احتياجات سوق العمل، والتوسع في المنشآت الصحية وتوفير احتياجاتها، بالإضافة إلى ملفات الرياضة والثقافة والصحة العامة، مع عدد من المستهدفات في هذا المحور أبرزهم 85% نسبة تغطية التأمين الصحي للسكان، 94% نسبة تغطية الإنتاج المحلي من صناعة الدواء لإحتياجات السوق،6.5% معدل بطالة مستهدف للعام 2026،2027.
ومنذ أيام أطلقت الحكومة مبادرة “المشروع القومي للتنمية البشرية” بهدف ضمان استفادة جميع المواطنين من جميع موارد الدولة بعدالة وفاعلية، وينقسم المشروع إلى خمسة محاور هي التعليم، والصحة، والرياضة، والثقافة، والعمل، بالإضافة إلى عدد من المبادرات الفرعية الخاصة بتدريب وتثقيف والعناية بصحة صغار وكبار السن والمسنين.
إن هذه المبادرة وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية التي نمر بها، بإمكانها خلق المزيد من الفرص لأفراد هذا الشعب التي تمكننا من عبور عنق الزجاجة العالقين به منذ عقود مضت، فضلاً عن خلق مزاج عام إيجابي لدى كافة أفراد المجتمع، نظراً لكونها تعكس الرغبة الحقيقية لكافة أفراد هذا المجتمع والتي نُنادي بها منذ سنوات بضرورة الإستثمار في رأس المال البشري، وضرورة ضبط الإنفاق العام ليتماشي مع رغبات أفراد هذا المجتمع من دافعي الضرائب، والذين مازالت بحوث الإنفاق تشير إلى إستهلاك أكثر من ثلثي دخلهم على تعليم أبنائهم وتلقي الخدمات الصحية، في النهاية لن تتحقق تنمية ولن تُستدام دون سياسات تنفيذية واضحة تدعم تنمية الأفراد ورعايتهم، فلا يمكن لجاهل أو مريض أو عاطل تقديم أي جهود للمجتمع سوى الجريمة و التخريب.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2024/09/04/1823126


لا تعليق