تاريخ النشر: 20 فبراير 2025 ( البورصة)
تجتاح التكنولوجيا وأنظمة الذكاء الاصطناعي النشاط الأقتصادي حول العالم، فلم يعد الاقتصاد يعتمد فقط على الموارد الطبيعية أو الصناعات التقليدية، بل أصبح “الاقتصاد الرقمي” هو المحرك الأساسي للنمو والتطور، وتسللت شركات التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي إلى جانب إنفرادها بالسوق الخاص بها، لتصبح إحدى مدخلات أو مكونات إنتاج كافة السلع والخدمات الأخرى.
والواقع أن هذا التحول نحو الاقتصاد الرقمي ليس مجرد تحول نحو اقتصاد يعتمد على البيانات والذكاء الإصطناعي، والتجارة الإلكترونية، والتقنيات المالية فقط، بل هو تغيير وثورة إجتماعية وثقافية كاملة، فقد تمكنت التكنولوجيا من تعديل أنماط أستهلاك الأفراد، وتحويل سلوكياتهم، والتأثير على علاقاتهم الأجتماعية، وقد ساهمت جائحة كورونا في فرض تلك التغييرات، وتسريع نمو الاقتصاد الرقمي، حيث أضطرت الشركات والأفراد إلى استخدام التقنيات الرقمية للعمل والتواصل والتسوق.
فمثلاً أنتعش سوق التجارة الإلكترونية إبان الجائحة وما بعدها، فالأفراد الذين لم يرغبوا أبداً في إتمام عمليات التسوق والشراء إلكترونياً فرضت عليهم الجائحة تجربة تلك العملية مع حوافز تتعلق بالمعاينة قبل الإستلام والسداد بعد الإستلام، كما شهت منصات التعليم الإلكتروني إنطلاقه وتوسع نتيجة الإغلاق، بالإضافة إلى سوق تداول العملات الرقمية، والبنوك الرقمية، وأنظمة البلوك تشين، ورقمنة خدمات الصحة، والنقل، والتقاضي، والإجتماعات المباشرة الإفتراضية، .الخ لم تترك الرقمنة مجالاً لم تشتبك معه وتساهم فيه وتقدم تجربة فريدة ومتميزة تُضاف إلى قيمة المنتج أو الخدمة.
بالإضافة إلى تلك التغييرات فقد ساهمت عمليات الرقمنة في تحقيق العدالة الجندرية، فسوق العمل الإلكتروني قدم تسهيلات مكنت المرأة من زيادة مشاركتها في سوق العمل، وأتاح لها القيام بأعمال مختلفة ومتنوعة من خلال منزلها، فضلاً عن إن إحدي سمات سوق العمل الإلكتروني، هو اتساعه ليشمل جميع الأفراد بمختلف الأعمار والمستويات التعليمية والحالات الصحية..ألخ، وهو ما يميزه عن سوق العمل التقليدي المرتبط بدرجات علمية، وأعمار، وسنوات خبرة..الخ.
يمثل الاقتصاد الرقمي الان أكثر من 15% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ما يعادل 38 تريليون دولار تقريباً عام 2024، وهو ما يمثل أكثر من ضعفي قيمته عام 2016 والتي كانت تقدر ب 11.5 تريليون دولار، ما يعكس تأثير الجائحة القوي في القفز بمعدلات نمو هذا الاقتصاد. كما أنه تبني اقتصاد الدولة للتقنيات الرقمية أصبح احد معايير تقييم الاقتصاديات، وهذا المعيار تتصدره الان سويسرا والسويد والولايات المتحدة.
وأقليمياً فقد بلغت قيمة الاقتصاد الرقمي في دولة الإمارات 180 مليار درهم في عام 2022، ومن المتوقع أن تصل إلى 350 مليار درهم بحلول عام 2031، وفي السعودية تجاوز حجم الاقتصاد الرقمي 460 مليار ريال، وفي مصر فقد بلغ حجم الاقتصاد الرقمي 267 مليار جنيه تقريباً، وتستهدف مصر الوصول بقيمة صادراتها الرقمية والتكنولوجية إلى 8 مليار دولار في العام المالي القادم.
والحقيقة أن هذا الاقتصاد يمثل فرصة نمو وتنمية لكافة الدول النامية، التي لم تلحق بالثورة الصناعية، ولا تمتلك ثروة زراعية، أو لا تكفي استثماراتها الزراعية والصناعية في رفع كفاءة اقتصادها وتحسين دخول الأفراد، نحن نعيش الان في مرحلة الاقتصاد الرقمي، والتي تتجه نحو مرحلة اقتصاد المعرفة والمستقبل الذى يقوم على البوتات والذكاء الاصطناعي، وتتنافس الكثير من الدول لحجز مركز مسيطر داخل هذا النظام الاقتصادي وما سوف يليه، من خلال البنية التحتية، الأبحاث العلمية، براءات الاختراع، سلاسل التوريد خاصة (أشباه الموصلات)، الأمن السيراني، العملات الرقمية. كما أن التنافس في الرقمنة والذكاء الاصطناعي أصبح عنصرًا استراتيجيًا للدول العظمى، حيث يسهم في إعادة تشكيل الاقتصاد، الأمن، والنفوذ السياسي.
وفي مصر والتي وصلت حجم التجارة الإلكترونية فيها عام 2024 إلى تسعة مليار دولار تقريباً بنمو سنوي 14.8%، وتُعد إحدى أفضل الوجهات الرئيسية في مجال خدمات التعهيد والتى تحتل فيها المركز الثالث عالمياً، بفضل كفاءة وأعداد العنصر البشري، إلى جانب الأسعار التنافسية والدعم الحكومي، إلا أننا مازالنا بحاجة إلى العمل على زيادة الإستثمارات الرقمية، ومشاركة دول المنطقة والعالم في تطوير ودعم المشروعات الرقمية، والعمل على تعزيز حماية الأمن السيبراني، والعمل على إنشاء مناطق حرة متخصصة في التكنولوجيا، واستمرار تطوير البنية التشريعية والقانونية لتتناسب مع الأنشطة الاقتصادية الرقمية.
كما أن لدينا تحديات تتعلق بالقضاء على الأمية التكنولوجية والفجوة الرقمية، وتعزيز الشمول المالي من خلال دعم المحافظ الإلكترونية والدفع عبر الهاتف، وضرورة بحث تعديل التشريعات بهدف تقنين تداول العملات الرقمية في مصر، والتي تتجه لتكون جزء من النظام المالي العالمي.
تمتلك مصر المقومات والفرص والتي من شأنها خلق مركز ريادي لها في مجال الاقتصاد الرقمي، يُمكنها من التخلص من التحديات الاقتصادية المتوارثة والمتزامنة، ويعزز من قيادتها الأقليمية ومركزها الدولي، علينا فقط أن نضع ذلك ضمن استراتيجية وطنية متكاملة ومحددة زمنياً تعمل عليها كافة أجهزة ومؤسسات الدولة لتحقيقها.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/02/20/1870504


لا تعليق