تاريخ النشر: 9 مارس 2025 (البورصة)
تتصرف الأفراد والحكومات بشكل مشابه عند مواجهة العجز المالي. فالفرد يلجأ إلى الاقتراض عندما لا يكفي دخله لتغطية نفقاته، وكذلك الحكومة تفعل الشيء نفسه عندما تكون نفقاتها أكثر من إيراداتها، وهو ما يسمى بعجز الموازنة. ويشمل الدين العالمي كلا النوعين من الديون، الحكومية والتي تمثل نسبة كبيرة من إجمالي الدين العالمي، والديون الخاصة والتي تنقسم إلى ديون الشركات والتى أصبحت تكلفتها مرتفعة للغاية في ظل ارتفاع أسعار الفائدة، وديون الأفراد والتي تشمل القروض الاستهلاكية، والعقارية، والشخصية.
وعلى الرغم من أهمية الإستدانة كأحد أعمدة النشاط الأقتصادي ومحرك رئيسي له، إلا أن النمو السريع للديون العالمية، وتزامن ذلك مع تراجع في نسب النمو العالمية، يضيئ علامات التحذير حول الأستدامة الاقتصادية والمخاطر المستقبلية. فقد شهد العالم أربعة موجات من الديون العالمية، بمعدل موجة كل عشر سنوات، بدأت بأزمة دول أمريكا اللاتينية في الثمانينيات، وتلتها أزمة دول شرق اسيا في التسعينات، ومن ورائها موجة الديون الناشئة عن الأزمة المالية العالمية في 2008، وأخيراً موجة الديون الناشئة عن مواجهة تداعيات الكورونا 2020 والتي لا زالت مستمرة حيث بلغ الدين العالمي بنهاية 2024 مستوى قياسياً بلغ 318 تريليون دولار.
كما أشار صندوق النقد الدولي أن الدين العام العالمي سيصل إلى 93% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بحلول نهاية عام 2024، وسوف يقترب من 100% في 2030، وهو نتيجة لإقتراض الحكومات لمواجهة تداعيات الجائحة، وما تبعته من اضطراب في سلاسل الإمداد، والحرب الروسية الأوكرانية، وتوترات الشرق الأوسط وغيرها، رفع أسعار الفائدة للسيطرة على التضخم زاد من تكلفة خدمة الديون، مما زاد الضغوط الاقتصادية على الدول والشركات. هذا يحدث في وقت يتوقع فيه الخبراء تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي إلى حوالي 3% في السنوات القادمة.
وترجع أسباب زيادة الدين العالمي إلى عجز الموازنة العامة لدى الحكومات، نتيجة توقف الأنشطة الاقتصادية إبان الجائحة، وعدم تعافي الاقتصاد العالمي بشكل كامل من أزمة 2008، وكذلك التوترات السياسية والعسكرية في عدة مناطق حول العالم، كما أن ارتفاع معدلات التضخم ومحاولات خفضها عبر رفع أسعار الفائدة، أنعكس سلباً على فرص تمويل المشروعات والشركات الخاصة، وزيادة تكلفة الدين. وأخيراً تراجع الديمقراطيات وإنتشار الفساد الإداري الذى يعكس تدني في كفاءة الأستثمار العام، والبيروقراطية والتى تسهم بشكل فعال في عدم التخصيص الكفء للموارد الاقتصادية وإهدار المال العام.
إن استمرار ارتفاع معدلات الدين العالمي مع ارتفاع عبء الفوائد المرتفعة وزيادة تكلفة سداد الديون، سوف يجبر الحكومات والشركات والأفراد على التخلف عن السداد، الأمر الذى قد نواجه معه أزمة مالية جديدة، وهذا يستدعي من الدول تخفيف حدة التوترات السياسية، والتوقف عن تصعيد الصراعات، والتعاون من أجل مواجهة التحديات الاقتصادية القائمة بشكل تنموي وبما يحقق مصلحة الجميع.
وضرورة العمل على خفض أعباء الديون مما سيخلق حيزا مالياً ويسمح بتنفيذ استثمارات جديدة، وسيساعد على تحفيز النمو الاقتصادي في السنوات المقبلة. كما أنه سيعمل على إصلاح سوق العمل، بالإضافة إلى أهمية التعاون الدولي في مجال الضرائب خاصة على الشركات الرقمية.
يمثل الدين العالمي تحديًا اقتصاديًا كبيرًا، ولكنه في الوقت نفسه أداة ضرورية لتحقيق النمو والاستثمار. تكمن المشكلة الحقيقية في كيفية إدارة هذا الدين وضمان استخدامه بطرق تضمن الاستدامة المالية. ومع استمرار التقلبات الاقتصادية والسياسية التي يشهدها العالم، يزداد تعقيد هذا التحدي. فمن ناحية، يمكن للدين أن يوفر التمويل اللازم للمشاريع التنموية والاستثمارات الحيوية، ومن ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي تراكمه إلى أزمات مالية وتقويض النمو الاقتصادي. لذا، يتطلب الأمر توازنًا دقيقًا بين الاستفادة من الدين كأداة للنمو وتجنب مخاطر تراكمه المفرط.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/03/09/1874300


لا تعليق