تاريخ النشر: 14 ديسمبر 2025 ( البورصة)
بعد نجاح الأصلاح الأقتصادي الذي حققه مصر في نهاية التسعينات، ظلت مؤشرات الأقتصاد المصري ثابتة نسبياً مع ارتفاعات محدودة في معدلات النمو – لم تكن متعادلة مع معدلات النمو السكاني – إلى أن حدثت الأزمة المالية العالمية في 2008، وعلى الرغم من عدم تأثر الأقتصاد المصري -بشكل مباشر- بالأزمة إلا أنها ألقت بظلالها عليه بشكل غير مباشر، حيث أنخفضت السياحة وتحويلات المصريين بالخارج، مع تراجع الأستثمارات الأجنبية، وهو ما دفع مصر لطلب (اتفاق مساندة) من صندوق النقد الدولي.
وفي 21 مايو 2010 تم الأتفاق على مستوى الطاقم – دون موافقة رسمية من مجلس إدارة الصندوق- على اتفاق مساندة لمصر لمدة 25 شهراً (عامان تقريباً)، بقيمة 3,000 مليون SDR بما يعادل 4.4 مليار دولار أمريكي انذاك، وهو ما يمثل 400% من حصة مصر في الصندوق وقتها والتي كانت 750 مليون SDR. وهو الأتفاق الذي ألغي قبل التنفيذ الكامل بسبب ثورة 25 يناير التي أدت إلى تغيير الحكومة وعدم قدرتها على تطبيق الإصلاحات الشرطية، والتي كانت تتمثل وفقًا لتقرير Article IV Consultation في خفض العجز المالي من 8.1% إلى 5% من الناتج المحلي (من خلال تقليص الإنفاق الحكومي بنسبة 2-3%)، حيث كانت الحكومة المصرية قد انتهجت سياسات مالية توسعية جزئياً لمواجهة التباطؤ الاقتصادي بعد 2008، وفي المقابل كان الصندوق يرى ضرورة العودة إلى التقشف التدريجي والتوازن المالي بعد تجاوز الأزمة، بالأضافة إلى رفع تدريجي للدعم عن الوقود والغاز والكهرباء بنسبة 20 -30% وتقليص الدعم الغذائي (الخبز،الزيت، السكر) بهدف توفير 1.5% من الناتج المحلي، وكذلك زيادة الضرائب غير المباشرة (ضريبة المبيعات والتي عدلت لاحقاً بأسم القيمة المضافة) مع توسيع قاعدة الضرائب، وأيضاً تعديل سعر صرف الجنيه تدريجياً (devaluation بنسبة 5-10%) لتحسين التنافسية، مع الحفاظ على نظام الصرف الثابت نسبياً.
كان اتفاق 2010 محاولة للعودة إلى الإصلاحات بعد فترة الأستقرار (1999- 2009) إلا أنه إلغاءه جعل مصر تتجنب الإصلاحات لكنه أدى إلى أزمات لاحقه، أدت إلى فجوة في الدعم الدولي حتى 2012، وجعلت شروط الأتفاق اللاحق في 2016 أكثر صعوبة وصرامة، وذلك نظراً لتدهور الوضع الأقتصادي عن ما كان عليه في 2010، فقد أظهرت المؤشرات انخفاض حاد في معدل نمو الناتج المحلي من 4.7% عام 2010 إلى 2.2% في 2011، وتفاقم العجز المالي من -8.1% إلى -10% بسبب زيادة الأضطرابات، وانخفض الأحتياطي النقدي من 33 مليار دولار إلى 25 مليار دولار، مع ارتفاع في الدين العام من 73% إلى 81%.
في نوفمبر 2012 تم التوصل إلى اتفاق (مساندة) على مستوى الطاقم، لمدة 22 شهراً، بقيمة 3.16 مليون SDR ما يقدر ب 4.8 مليار دولار ما يعادل 335% من حصة مصر في الصندوق، وذلك لمواجهة الأزمة الاقتصادية بعد الثورة ودعم ميزان المدفوعات، وذلك بشروط خفض العجز المالي من 11% إلى 8.5% من الناتج المحلي، مع تقليص العجز الأولي من 4% إلى 0.6%، ورفع تدريجي عن السلع الأساسية (الوقود والغذاء) لتوفير 2% من الناتج المحلي، وإصلاح الضرائب وزيادة الإيرادات غير النفطية، وتحسين بيئة الأعمال لجذب الأستثمار الخاص، إلا أن هذا الأتفاق لم يقُدم إلى مجلس إدارة الصندوق للموافقة الرسمية، حيث تم إلغائه في ديسمبر 2012 بسبب الأحتجاجات الشعبية ضد شروط التقشف ورفع الدعم، بالإضافة إلى التوترات السياسية مع الحكوكة اَنذاك، والتي سرعان ما سقطت في يوليو 2013.
بعد سقوط نظام الأخوان المسلمين، ركزت الحكومة المؤقتة على الاستقرار السياسي، مع البحث عن بديل للصندوق، وهو ما وفرته دول الخليج حيث قدمت ما يقارب 12 مليار دولار في الفترة من 2013 وحتى 2014، خلال تلك الفترة لم تكن هناك مفاوضات جديدة مع الصندوق، مع الحفاظ على المشاورات السنوية، حيث حذر الصندوق من تراكم الديون والحاجة إلى اصلاحات هيكلية لكن (دون تمويل).
ومع انتخاب الرئيس السيسي في يونيو 2014، بدأت الحكومة إصلاحات أحادية الجانب لإثبات الجدية أمام الصندوق، مدعومة بتمويل خليجي، حيث أنخفض العجز المالي إلى 10%، لكن الأحتياطات النقدية بقيت ضعيفة حوالي 20 مليار دولار، كما قامت الحكومة بخفض الدعم على الوقود والكهرباء (تم رفع أسعار البنزين بنسبة 78% في يونيو 2014) مما وفر 3% من الناتج المحلي، كما قام البنك المركزي بخفض قيمة الجنيه بنسبة 5%، وزيادة أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، وتشريعياً صدر قانون الخدمة المدنية لضبط إنفاق الأجور وحوكمة الجهاز الأداري للدولة، وصدر قانون ضريبة القيمة المضافة VAT والمستبدلة بضريبة المبيعات.
أظهرت هذه الإجراءات جدية الحكومة المصرية في الإصلاح الاقتصادي، كما نتج عنها نمو إيجابي بنسبة 4.2%، إلا أن تباطؤ الإصلاحات بسبب الأنتخابات البرلمانية والضغوط الأجتماعية، لم يُمكن من الوصول إلى اتفاق مع الصندوق، لكنها كانت خطوة انتقالية لأتفاق 2016 والذي نستكمله في المقال القادم.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2025/12/14/1935758


لا تعليق