تاريخ النشر: 1 أبريل 2026 ( جريدة البورصة)
يتساءل ويستنكر (المواطن) – وله كل الحق – عن أسباب تضرره اقتصادياً عند كل أزمة دولية، لا تربطه بها أية علاقة (مباشرة)؟، بالإضافة إلى السؤال المتكرر منذ الثمانينيات وحتي الان، متى يخرج الاقتصاد المصري من عنق الزجاجة؟ والإجابة على هذا السؤال لها محوران، الأول يتعلق بالنظام العالمي الجديد فيما بعد الحرب العالمية الثانية والذي أعتمد على تشابك اقتصاديات الدول ودمجها في منظومة عالمية، تعمل على توزيع أية مخاطر أو أضرار على كافة دول العالم، والثاني يتعلق بقدرات وإمكانيات كل دولة والتي بموجبها يتحدد نصيبها من المخاطر والأضرار.
تعتمد مصر على مصادر دخل محدودة، سواء محلياً وهي الضرائب بواقع 4 تريليون جنيه (75 مليار دولار تقريباً)، أو مصادر دولارية من تحويلات العاملين بالخارج، -والتي يتصدرها العاملين بدول الخليج العربي- بنسبة أكثر من 60% من إجمالي التحويلات، إلى جانب إيرادات قناة السويس، الصادرات، السياحة، الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة، والتي لم تتجاوز مجتمعة 170 مليار دولار سنوياً، وهي إيرادات ضعيفة جداً وتكشف عن فقر واضح للأقتصاد المصري، فضلاً عن أن إجمالي الناتج المحلي يُقدر ب400 مليار دولار تقريباً، بما يعني أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي يساوي 3,500 دولار تقريباً، ولندرك مدى ضآلة هذا المبلغ يمكن مقارنته بالمتوسط العالمي والمُقدر ب 15,200 دولار تقريباً، والذي يتضاعف خمسة مرات في الأقتصاديات المتقدمة.
هذه الأرقام الواضحة تكشف بما لا يدع مجالاً للشك عن هشاشة الاقتصاد المصري وضعف بنيانه (وإنتاجيته)، الأمر الذي يترتب عليه تأثره (الشديد) بأية أزمات دولية أو أقليمية، وإذا ما وضعنا إلى جانب تلك الأرقام، حجم ما تستورده مصر من طاقة (نفط ومشتقاته وغاز) وهي أساس ومحرك المجتمعات والتنمية، إلى جانب ما تستورده مصر من غذاء ومواد خام لازمة للأنتاج، مقابل ما تصدره – على الرغم من تقليص عجز الميزان التجاري – بنسبة 9% تقريباً منذ سنوات، إلا أن حجم الصادرات المصرية بقيمة 40 مليار دولار مازال أقل بكثير من الأقتصاديات المماثلة والتي تتجاوز مائتي وثلاثمائة مليار دولا صادرات، كما أن اعتمادية الاقتصاد القائمة مازالت تشكل تحدى للأقتصاد، وهشاشتة ترفع من تكلفة تصديه للأزمات.
خلال الثمانية أشهر الماضية كان الأقتصاد المصري بدأ في التعافي من سلسلة الأزمات المتلاحقة بدءً من كلفة التغييرات السياسية التي بدأت مطلع 2011، مروراً بالحرب على الأرهاب، ثم جائحة كورونا، والتي تلتها أزمة سلاسل الإمداد، والحرب الأوكرانية، ختاماً بحرب غزة. حيث بدأ الجنيه المصري في التحسن مقابل الدولار، مع اتباع البنك المركزي لسياسات نقدية مرنة، فأنخفضت الفائدة خلال عام 2025 بمقدار 7,25%، كما تراجع التضخم الأساسي من 27% في 2024 إلى 12% 2025، مع استقرار نسبي في الأسواق، ونمو ملحوظ في قطاع السياحة وإيرادات قناة السويس، وأستثمارات أجنبية مباشرة غير مسبوقة بفضل صفقة رأس الحكمة، إلا أن بدأت الحرب الإيرانية والتصعيد العسكري في المنطقة، ليبدأ الأقتصاد المصري أزمة جديدة، ترتفع معها سعر الطاقة، وتنخفض معها الصادرات، وتنكمش إيرادات قناة السويس، والسياحة، ويرتفع الدولار مرة أخرى، كنتيجة لتداعيات التصعيد العسكري القائم والتي أنعكست على سلاسل توريد النفط والغاز، خاصة مع الأعتداءات المتكررة على مصافي النفط وابار الغاز ومنشئات الطاقة، والتي تعمق من تأثير الأزمة، لتخلق أزمة إنتاج بعد أن كانت مقتصرة في بداية الحرب على سلاسل التوريد فقط، وهو ما رفع سعر برميل البترول من 72 دولار تقريباً ليتجاوز مائة دولار، كما أرتفع سعر الغاز بشكل أعنف يقدر بنسبة 60% تقريباً ومتوسط 30%، لتُشكل الأزمة الراهنة أكبر أزمة طاقة قد تتجاوز أزمتي 1973 و1979 والأخيرة التي كانت للمفارقة بسبب الثورة الإيرانية التي أنتجت النظام الإيراني الراهن.
إن الخروج من عنق الزجاجة، والدائرة المفرغة للأزمات، يقتضي إعداد برنامج وطني للإصلاح الاقتصادي، – خاصة مع إنتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي لصندوق النقد الدولي العام الجاري -، يقوم على عدة أهداف هي، القضاء على الفقر، مضاعفة الإنتاجية، تخفيض الدين، تحقيق صادرات بقيمة مائتي مليار دولار، ويعمل على عدة محاور هي، إعادة هيكلة هيئة الاستثمار ومنظومة الاستثمار في مصر (بما يُمكن أي فرد محلي أو أجنبي من الأنضمام لمنظومة الاستثمار والتجارة في مصر بسهولة ويسر)، تخفيض الضرائب ومنح إعفاءات للمشروعات والشركات الجديدة (بما يعمل على دمج الأقتصاد غير الرسمي و جذب الأستثمارات)، التخارج الحكومي وإعادة هيكلة الاستثمارات الحكومية وتحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة (وهو ما تعمل عليه الحكومة الحالية)، تسريع برامج إحلال الطاقة المتجددة والتي تساهم حالياً بنسبة 22% تقريباً من إجمالي الطاقة المولدة في مصر.
لينك المقال: https://www.alborsaanews.com/2026/04/01/1958423


لا تعليق